قاتلوا وقاوموا وفجّروا، لكنهم يعيشون في غياهب النسيان. إنهم محاربون قدامى يعيشون في قطاع غزة ويروون قصصا عن التضحية والاستبسال بينما لا يحتفي أحد بتاريخهم ولا يكافئهم بما يحفظ كرامة النضال.

أيمن الجرجاوي-غزة

رغم مرور 48 عاما على مشاركة الفلسطيني يوسف أبو جراد بتفجير ناقلة جند إسرائيلية شرق حي الشجاعية بغزة، ما زالت تفاصيل العملية محفورة بذاكرته وكأنها وقعت بالأمس.

ففي منتصف يوليو 1967 زرع أبو جراد ومجموعة من قوات التحرير الشعبية الفلسطينية ثلاث عبوات ناسفة من نوع "بكلايت" تزن الواحدة منها ستة كيلوغرامات في طريق مرور الناقلة الإسرائيلية، فاحترقت بالكامل وقتل من فيها، وفق قوله.

واعتقل الجيش الإسرائيلي إثر العملية عددا من الفلسطينيين كان من بينهم أبو جراد الذي أمضى في السجون 12 سنة ونُسف بيته بشكل كامل، ثم خرج عام 1977.

والسبعيني أبو جراد واحد من نحو 1300 من "المحاربين القدامى" الأحياء في قطاع غزة، والذين بدؤوا القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي عندما شكّلت مصر الجيش الفلسطيني عام 1953، وبعدها تحولوا إلى مسمى "الجيش الشعبي"، وكانوا حينها زهاء 18 ألف مقاتل.

ولا يشتكي هؤلاء فقط من "تهميش رسمي فاضح" فحسب، بل يقول المحارب القديم "نحن لسنا مهمشين بل منسيين، وكأننا غير موجودين، نعيش على الصدقات والفتات".

أبو جراد: تعرضنا للتهميش في عهدي السلطة وحماس (الجزيرة نت)

ولدى أبو جراد -الذي اشتعل رأسه شيبًا منذ زمن- 16 ابنا فقد أحدهم في العدوان الإسرائيلي الأول على القطاع عام 2008، كما قصف بيته في نفس العدوان، ويقول إن متضامنا إيرلنديا أعاد إعماره لأسباب "إنسانية".

ويضيف للجزيرة نت "بعد قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 تعرضنا للتهميش ولم يُوظّف منا إلا من انضم لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وفي عهد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) استمر هذا التجاهل أيضا".

ويقول المحاربون القدامى إنهم قاوموا الاحتلال الإسرائيلي قبل تأسيس كل التنظيمات الفلسطينية، لكنهم تعرضوا للإقصاء من المشهد في بداية سبعينيات القرن الماضي.

ويروي السبعيني وليد أبو شعبان -وهو أحد المحاربين القدامى- لحظة نجاته من الاعتقال الإسرائيلي برفقة أبو جراد بعد عملية استهداف ناقلة الجند الإسرائيلية.

ويقول "كنا في طريق العودة إلى مركز قيادة قوات التحرير الشعبية الذي كان بمنزل أبو جراد في حي الزيتون بمدينة غزة، بعدما أحضرنا بعض الذخيرة، لكنني قلت له سأذهب لتفقد القوات بمدينة رفح جنوب القطاع، وكنت لم أزرهم منذ زمن".

أبو شعبان: لا نتلقى رواتب ولا مساعدات مالية من أي جهة (الجزيرة نت)

وبعدما ذهب أبو شعبان إلى مقصده دهمت قوات الاحتلال منزل أبو جراد واعتقلته، ونسفت المنزل بشكل كامل، وعندما عاد بعد ثلاثة أيام علم بخبر اعتقال زميله.

ووفق أبو شعبان الذي يشغل رئيس مجلس إدارة جمعية "المحاربين القدامى وضحايا الحرب" بغزة، فإن حركة فتح التي "سيطرت على منظمة التحرير" قطعت مخصصاتهم بشكل كامل عام 1973، وكانوا وقتها ينضوون تحت جناح المنظمة باسم "الجيش الشعبي".

ويصف أبو شعبان للجزيرة نت أوضاعهم منذ ذلك الحين وحتى اليوم بأنهم "أضيع من الأيتام على موائد اللئام"، ولا يتلقون رواتب أو مساعدات مالية من أي جهة حكومية أو غيرها.

وحسب روايته، فإن الجمعية التي أُسست في فبراير/شباط 1959 في عهد الحكم المصري لغزة لا تقدم لهذه الفئة سوى سلة غذائية سنوية بقيمة 25 دولارا.

وتُموَل معظم هذه المساعدات من خراج قطعة أرض زراعية تبلغ 40 دونما خصصتها الإدارة المصرية للجمعية منذ أكثر من ستة عقود.

وأنشأت الجمعية صفحة باسمها على "فيسبوك" لإيصال نشاطاتها للمجتمع الفلسطيني، محاولة إبراز ما قدمه المحاربون القدامى من تضحيات على طريق الحرية الفلسطينية، ومقارنة ذلك بالأوضاع المأساوية التي يعيشونها.

المصدر : الجزيرة