سيد أحمد الخضر-الجزيرة نت

في كل محطة من استكبار الساسة وحماقات الأيديولوجيا تدفع البشرية ثمنا باهظا من أمنها وكرامتها وتضيق بها أوطانها فتشد الرحال إلى حيث تتوقع الأمان فيتخطفها الموت في عرض البحر ومجاهل الصحراء.

وخلال القرن الماضي خاضت البشرية صراعات عسكرية وطائفية أجبرت عشرات الملايين على ترك قراهم ومدنهم في أوروبا وأفريقيا ودول الشرق الأوسط.

ولم يكن وصول اللاجئين حاليا إلى أزيد من خمسين مليونا، واطراد موجات التهجير القسري في العشرية الثانية من القرن الحالي إلا دليلا على أن العالم يسير على ذات الطريق الملغوم الذي سلكه قبل مئة عام، ففي عامي 1912 و1913 هجّر عشرات آلاف المسلمين من دول البلقان على وقع العنف الطائفي والديني والتطهير العرقي، فيما أجبر مئات الآلاف من الأرمن على مغادرة تركيا بعد عام 1915.

ولسنين عديدة ظلت الأقليات الدينية في البلقان ضحية العنف والتطهير العرقي والتهجير القسري، وارتُكبت فظاعات بحق المسلمين في يوغسلافيا والبوسنة والشيشان يشيب من هولها الولدان.

وعقب انتهاء الحرب التركية اليونانية هجر حوالي مليون شخص من قراهم ومدنهم بناء على معاهدة "لوزان" لتبادل السكان والتي أبرمت بين الجانبين عام 1923 .

وقبل أن تضع الحرب أوزارها هجرت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ستة ملايين أوروبي حيث غادروا ديارهم هربا من جنون العنصرية والعنف والانتقام.

و"اتسع الخرق على الراتق" بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حيث هجر عشرات الملايين من ديارهم هربا من الأنظمة القمعية في ألمانيا وغيرها فيما تعين على آخرين مغادرة مناطقهم بعد أن تحولت لساحات قتال.

ولم تتوقف موجات الهجرة بانتهاء هذه الحرب، فقد هجر ثلاثة ملايين من أوطانهم فأجبر البولنديون على الخروج من ألمانيا وروسيا، ورحّلت عرقيات أخرى إلى تشيكوسلوفاكيا على سبيل المثال.

وكما في كل مراحل الصراع على مر التاريخ كانت الأقليات العرقية والدينية أكثر عرضة للمحنة فتم تهجير التتار واليهود والغجر وغيرهم.

وعندما قرر الغرب التكفير عن بعض خطاياه كان ذلك على حساب أمة آمنة يأتيها رزقها رغدا من زيتونتها وكرومها وبرتقالها، فشرد الفلسطينيين ووطّن شذاذا من أوروبا وأفريقيا في مدنهم وقراهم، وفي عام 1947 بدأت العصابات اليهودية قتل الفلسطينيين وتهجيرهم ليتم تكريس هذا الواقع بعد النكبة والنكسة عامي 1948 و1967.

جانب من إنقاذ مهاجرين على السواحل اليونانية (الأوروبية)

وقد تفرق أزيد من سبعمئة ألف فلسطيني في الأودية والشعاب بحثا عن ملجأ يأمنون فيه على حياتهم ليستقر معظمهم في الأردن ولبنان والعراق وسوريا ويسلك الباقون طرائق قددا نحو دول الخليج وأوروبا والأميركيتين.

وفي إحصائية حديثة قدرت الأمم عدد اللاجئين الفلسطينيين بـ4.7 ملايين، فيما لا تزال إسرائيل تنكر حقهم في العودة لديارهم خوفا على ما تسميها الطبيعة الدينية لكيانها.

وفي المغرب العربي أدى النزاع على الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى تهجير كثيرين تتضارب المعلومات بشأن عددهم الحقيقي.

لكن أقل التقديرات تشير لوجود حوالي مئة ألف صحراوي في مخيمات تيندوف بالجنوب الغربي من الجزائر فيما استقر آخرون في إسبانيا ودول أميركا اللاتينية.

ولم تكن القارة السمراء بأحسن حالا من أوروبا ودول الشرق الأوسط، حيث تفجرت فيها حروب وصراعات أهلية طاحنة أجبرت الملايين على شد الرحال نحو المجهول، فبعد تخلصهم من الاستعمار الغربي تفرغ الأفارقة لقتال أنفسهم وشهدت أعوام 1977 و1978 و1979 حروبا مهلكة في إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ليتحول الصراع إلى سمة رئيسية في بلاد الزنج واتسعت موجات التهجير والتطهير العرقي في معظم الاتجاهات.

وفي مطلع عام 1991 اندلعت حرب أهلية في الصومال وهجرت 966 ألف شخص يعيش أربعمئة ألف منهم في كينيا فيما تتوزع النسبة الباقية على دول الجوار.

وفي 1994 قتلت الحرب وهجّرت ما يربو على نصف مليون في الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا)، بينما ظل أزيد من مئتي ألف خارج سجلات الأموات والأحياء فأدرجتهم المنظمات الدولية في عداد المفقودين.

الأفارقة يفضلون ركوب الموت على البقاء في ساحات الجوع (أسوشيتد برس)

ولم تخمد الحرب طويلا في هذا البلد المنكوب، بل عادت رحاها لتدور مجددا عام 1998 فطحنت مئات الآلاف وأحالتهم إلى المقابر الجماعية وإلى معسكرات اللجوء والنزوح في دول الجوار التي رقصت هي الأخرى كثيرا على وقع دوي الرصاص.

وهذه النتائج الوخيمة في أنغولا وزائير وأوغندا ورواندا وليبيريا وسيراليون لم تكن واعظا بما يكفي، حيث تفجرت صراعات كثيرة في شمال السودان وجنوبه، ولا تزال مستمرة وتجبر الناجين من الموت على الفرار منه.

بيد أن إسدال الستار على القرن العشرين لم يكسر موج الهجرة القسرية، ففي عام 2003 غزا الأميركيون العراق فانفرط عقد الدولة وهاجر مئات الآلاف إلى سوريا والأردن ودول الغرب.

تداعيات هذه الفوضى الخلاقة ضربت التنوع العرقي والديني، مما أجبر المسيحيين على الهجرة فصمتت أجراس كنائسهم في بلاد الرافدين والعديد من دول الشرق الأوسط.

وقبل الغزو الأميركي للعراق كانت القوات الأجنبية بددت السلم الهش في أفغانستان ردا على "غزو" جهاديي تنظيم القاعدة لنيويورك ليكتب الأفغان فصلا جديدا من الهجرة إلى باكستان وإلى كل ما تيسر لهم من بلدان العالم.

وعلى الرغم من تداعيات غزو العراق وأفغانستان فإن موجات الهجرة القسرية ظلت ضئيلة جدا عند مقارنتها بالسنوات الأولى من العقد الثاني من القرن الحالي حيث شهد العالم أكبر مأساة إنسانية في التاريخ الحديث، فمنذ خروج السوريين مسالمين في مارس/آذار 2011 ينشدون الحرية والكرامة والعدل كتب عليهم القتل والتهجير لتتوالى الأنباء في 2014 و2015 عن غرق الآلاف منهم في عرض البحر، حيث لا يغاثون ولا ينقذون.

وفيما عدا لبنان وتركيا والأردن أوصدت دول المنطقة أبوابها أمام أزيد من أربعة ملايين لاجئ سوري ولم يكن أمامهم بد من ركوب موج البحر وحتى البحث عن الرحمة في أدغال أفريقيا.

المصدر : وكالات,الجزيرة,مواقع إلكترونية