ضاقت بهم دمشق فعادوا لمسقط رأسهم بعين العرب، وعندما تحولت لساحة معارك رحلوا لتركيا يحلمون بالستر والنجاة، وبعدما سئموا من قسوة البر بحثوا عن الرحمة بعرض البحر لكنه أعادهم لليابسة جثثا هامدة فحملتهم الأعناق وبكتهم الحشود في يوم حزن مشهود.

عمر أبو خليل-سروج

خيم حزن عميق على مدينة عين العرب (كوباني) السورية ذات الأغلبية الكردية مع وصول جثامين ريحانة الكردي وطفيلها عيلان وغالب إلى المدينة، وهم الذين قضوا غرقا خلال محاولتهم الهجرة إلى أوروبا.

وحضر آلاف السوريين التشييع، وتعالت أصوات البكاء مع وصول الجثامين، وأصيب البعض بحالات إغماء نتيجة التأثر الشديد وتم نقلهم إلى المراكز الصحية في المدينة.

ووصلت سيارات الإسعاف التركية تحمل الجثامين إلى عين العرب يرافقها موكب يقل أعضاء في البرلمان التركي من مختلف الأحزاب، ومسؤولين أكرادا في تركيا، إضافة لأقارب الضحايا.

ورافق ذلك انتشار أمني مكثف داخل مدينة سروج التركية المحاذية لعين العرب لتأمين الموكب.

وكان عدد كبير من المواطنين الأتراك تجمعوا في مدينة سروج بمواعيد مختلفة اعتبارا من الساعة التاسعة صباحا، لإلقاء نظرة الوداع على الضحايا، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك حيث عبر الموكب دون توقف في المدينة.

وعبر صامد عبدي -من سكان سروج- عن حزنه الشديد لعدم تمكنه من تقبيل الصبي عيلان وقال "أحسسته كابني، كنت أتمنى الاشتراك في مراسم التشييع والعزاء ولكنه القانون التركي".

وقد منعت السلطات التركية عددا كبيرا من ممثلي وسائل الإعلام ومنهم الجزيرة نت من الدخول إلى عين العرب بعد عبور الجثامين، ولم تسمح لهم بالاقتراب من المعبر الحدودي لمسافة خمسمئة متر.

والد الأسرة المنكوبة حضر عملية الدفن في عين العرب (كوباني) (الجزيرة نت)

وأفاد الناشط محمد الكردي -من عين العرب- بأن التشييع تم سريعا وتحدث فيه رب الأسرة المنكوبة وشقيقه ومسؤول بالمدينة وأحد النواب الأتراك، ثم ووريت الجثامين الثرى لينتقل المشيعون إلى مجلس العزاء.

وحصلت الجزيرة نت على معلومات تؤكد أن الأسرة الكردية المنكوبة حاولت في مرة سابقة عبور البحر إلى اليونان لكنها فشلت، وكانت الفاجعة في محاولتها الثانية التي قضى فيها الطفلان وأمهما.

لكن أحاديث والد الأسرة المنكوبة إلى وسائل الإعلام عن كيفية حصول الحادث شابها بعض الغموض.

وعزا أحد أقربائه -ويدعى آزاد- ذلك إلى الحالة النفسية الصعبة التي يمر بها "أو بسبب اجتزاء كلامه أو الإضافة عليه".

وأوضح آزاد أن الحادث حصل بعدما انقلب الزورق رأسا على عقب بسبب اختلال الثقل بين طرفيه وارتفاع موج البحر، وكان الوالد يتولى قيادته بعدما هرب قائده التركي.

وأضاف للجزيرة نت "بحث عبد الله طويلا عن زوجته وولديه لكن الظلام منعه من رؤيتهم، وكانت الفاجعة بأنهم غرقوا ونجا هو".

جثامين الغرقى وصلت في موكب يضم ناشطين ونوابا من البرلمان التركي (الجزيرة نت)

وتبين أن الأسرة كانت تعيش في حي ركن الدين بدمشق، حيث كان الوالد يعمل حلاقا، وعادت إلى مسقط رأسها في عين العرب في العام الثاني للثورة السورية.

ولاحقا عزمت الأسرة على الهجرة عقب اضطرارها للنزوح إلى تركيا مع دخول تنظيم الدولة الإسلامية إلى عين العرب العام الماضي.

وأشار المحامي شيركو مصطفى إلى أنه ومجموعة محامين سوريين سيدرسون الجوانب القانونية لحادثة الغرق التي أودت بالطفلين وأمهما، وإمكانية إقامة دعاوى أمام المحاكم الدولية بحق الجهات التي قد تكون مسؤولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن الحادثة.

وقال للجزيرة نت إن "عشرات الآلاف من أطفال سوريا قتلوا على يد النظام المجرم الذي ساعده تنظيم الدولة لاحقا ولكن تراجيدية مشهد الطفل عيلان جذبت التعاطف العالمي".

ودعا إلى توظيف هذا التعاطف بكل الإمكانات المتاحة للمساعدة في إنهاء حكم بشار الأسد ونظامه وتنظيم الدولة، ومعاقبتهم على "ما ارتكبوه بحق الشعب السوري".

وكانت صورة الطفل عيلان ذي السنوات الأربع وهو ملقى على شاطئ بور دروم التركية قد أحدثت صدمة عالمية ولا تزال تتصدر وسائل الإعلام.

المصدر : الجزيرة