يعتقد متخصص بالشأن الأفريقي أن تصريحات بابا الإسكندرية المتعلقة بالتدخل لحل أزمة مياه النيل تأتي في إطار "المجاملة السياسية" ومحاولة "إرضاء الرأي العام" مضيفا أن كاهن الكنيسة الإثيوبية أكد مرارا أنه لن يقحم الكنيسة في القضايا السياسية.

الجزيرة نت-القاهرة

مع تصاعد مخاوف المصريين من تعرضهم لأزمة مياه جراء بناء سد النهضة الإثيوبي، والذي من المتوقع الانتهاء بعد أقل من عامين، تسعى الكنيسة المصرية للعب دور سياسي في هذه الأزمة، متكئة على العلاقات التاريخية بينها وبين نظيرتها الإثيوبية.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي وقع، في مارس/آذار الماضي، وثيقة مبادئ مع كل من إثيوبيا والسودان، وهي الوثيقة التي فتحت الطريق أمام الإثيوبيين لاستكمال أعمال بناء السد، وهو ما يعني إهدار حقوق مصر التاريخية في مياه النهر، والتي نصت عليها الاتفاقيات التاريخية المتعلقة بحصة مصر من مياه النيل، برأي مراقبين.

وقبل أيام، أعلن تواضروس الثاني (بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية) أنه سيزور إثيوبيا في سبتمبر/أيلول الجاري، لحضور عيد الصليب الذي يعتبر أهم أعياد الكنيسة الإثيوبية، مؤكدًا أن حواراته مع جميع المسؤولين الإثيوبيين تتضمن الحديث عن مياه النيل، وأن بابا الكنيسة الإثيوبية الأب متياس "يلعب دورًا مهما لمساعدة مصر في هذه المسألة".

وفي يناير/كانون الثاني من هذا العام، زار متياس مصر، والتقى السيسي ومسؤولين آخرين لبحث أزمة السد، وهو ما سوقت له وسائل الإعلام الموالية للنظام آنذاك، على أنه خطوة في طريق حل الأزمة القائمة منذ عام 2011، عندما بدأ الجانب الإثيوبي في أعمال البناء.

ورغم استمرار بعض وسائل الإعلام في القول إن العلاقات التاريخية بين الكنيستين المصرية والإثيوبية سيكون لها اعتبارها في هذا الخلاف، فإن مراقبين يرون أن الأزمة أكبر من تواضروس ومتياس، بل ومن أي مؤسسة دينية.

جمال أسعد: زيارة تواضروس لإثيوبيا كنسية (الجزيرة)

بلا تأثير
المفكر القبطي جمال أسعد، قال للجزيرة نت إن التصريح به نوع من المواءمة السياسية وإن الكنيسة لن يكون لها أي دور في هذه المسألة، لأن العلاقة التاريخية بين الكنيستين في مصر وإثيوبيا لا تنفي حقيقة أن الثانية قد انفصلت عن الأولى من جهة، وأن سقوط نظام الإمبراطورية وقيام نظام شيوعي في إثيوبيا أفقد كنيسة إثيوبيا قدرتها على التأثير في نظام الحكم هناك من جهة أخرى.

ولفت أسعد إلى أن زيارة تواضروس لإثيوبيا كنسية في المقام الأول، كما كانت زيارة متياس لمصر كنسية هي الأخرى، مضيفا أن لقاء البابا بشخصيات سياسية بالدولة "لا يعني أنه قادر على هذه القضايا الكبرى".

ويتفق عطية عيسوي، كاتب صحفي متخصص بالشأن الأفريقي، مع القول إن تصريحات تواضروس "تأتي في إطار المجاملة السياسية، ومحاولة إرضاء الرأي العام المصري" لافتا إلى أن كاهن الكنيسة الإثيوبية أكد مرارا أنه لن يقحم الكنيسة في القضايا السياسية، وأنه غير مستعد للقيام بأي دور بهذه الأزمة.

عطية عيسوي: تصريحات تواضروس مجاملة سياسية (الجزيرة)

وذهب الكاتب للقول إن النظام الإثيوبي الأقرب للسلطوية "لن يسمح للكنيسة باتخاذ مواقف تتعارض مع مصالحه في هذا الملف، ومن ثم فإن زيارة تواضروس المرتقبة لإثيوبيا لن تبحث هذا الملف بجدية، خصوصا وأن هوة الخلاف تتسع بين البلدين" برأيه.

تناقض
أما المحلل السياسي محمد جمال عرفة، فقال للجزيرة نت "إن تناقضًا كبيرًا يكتنف تصريحات رأس الكنيسة المصرية، ففي عهد الرئيس مرسي صرح تواضروس بأن أزمة المياه تخص حكومات ودولا وأن الكنيسة لا دخل لها بها، ثم هو الآن يتحدث عن اتصالات مع كاهن إثيوبيا، لإظهار أن الحل بيد الكنيسة، على غير الواقع".

ورغم تأكده أن المؤسستين الدينيتين (الأزهر والكنيسة) هما من أهم أسلحة مصر الناعمة خلال عقود مضت، فإنه يعتبر أن دور الأزهر في هذه الأزمة "كان يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا، لولا مواقفه المثيرة للجدل مما وقع في مصر منذ عزل مرسي".

وتابع عرفة "على الرغم من تصدر الكنيسة لواجهة الأزمة في الفترة الراهنة، لأنها باتت أقوى من الأزهر، إلا أن ذلك لا يعني قدرتها على الحل كما يعتقد البعض، لأن تأثير الأزهر، تاريخيًا، أكبر من تأثير الكنيسة".

وخلص إلى أنه على الرغم من العلاقات الروحية والتاريخية بين الكنيستين، فإن المؤسسات الدينية، حاليا، لا يمكنها التأثير في هذا الملف الخطير، والذي تعتبره إثيوبيا مسألة أمن قومي بالنسبة لها.

وقلل المحلل السياسي من إمكانية قبول إثيوبيا بأي تفاوض بشأن أعمال السد تحت أي ضغط من أي طرف، خاصة وأنها أوشكت على الانتهاء منه.

المصدر : الجزيرة