تعد أزمة اللاجئين السوريين الحالية الأكبر من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، فمع تزايد العنف وغياب الأمل في حل نهائي لأزمة بلادهم، يصبح الحديث عن الهجرة إلى أوروبا الأكثر تداولا بين السوريين، بالرغم من مخاطر التهريب عبر البحر.

أمين الفراتي-غازي عنتاب

ودّع حسن أهله في قرية منسية على ضفاف الفرات بمحافظة الرقة (شمال شرق سوريا) فقد قرر أخيراً أن يرمي بنفسه في لجة البحر ليصل إلى بلاد الألمان، بعد أن باعت زوجته ما تملك من مصاغ ذهبي لتدبير تكاليف رحلته البالغة ثلاثة آلاف دولار أميركي، وأملا في "جمع الشمل" لاحقا، وبعيدا عن وطن تحول إلى ميدان للحرب.

وانضم الرجل إلى آلاف السوريين الذين قرروا الهجرة منذ بدء الثورة، وذلك في وقت يشهد ارتفاعا كبيرا بوتيرة الهجرة، إذ يبدو أن "عدواها" أصابت حتى السوريين المقيمين بدول الخليج العربي، والذين يتنافسون على الوصول إلى أوروبا مستغلين حالة من التساهل مع اللاجئين.

ويبرر ذلك صحفي سوري قرر أن يهاجر بعد إقامة امتدت عدة سنوات في بلد خليجي، حيث يقول "نحن في الخليج العربي أجانب مهما امتد بنا عهد الإقامة، والأمل بالعودة إلى سوريا بدأ بالتلاشي".

وبالرغم من توالي مشاهد المهاجرين الذين يعانون من مخاطر السفر وسوء المعاملة على حدود دول أوروبية، يبدو أنها لم تشكل رادعاً للكثيرين عن الهجرة، بل يزداد إقبالهم عليها، ويقول الأكاديمي عزت السيد أحمد إن أزمة اللاجئين السوريين هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، "لأن المأساة السورية بمختلف المعايير هي أيضا الأكبر والأبشع منذ تلك الحرب".

أحد ضحايا الغرق في البحر على الشواطئ التركية (الجزيرة)

ركوب البحر
وفي الطريق، يستذكر كيف تحول العيش في سوريا إلى "كابوس" لا يطاق، ما دفعه للتفكير مثل غيره بركوب البحر، فدخل إلى تركيا بعد أن احتال على حرس الحدود بمساعدة "مهرب" ثم انتقل من مدينة كيلس الحدودية إلى أزمير على البحر المتوسط، منتظرا دوره في ركوب "البلم" وهو مركب مطاطي يحشر فيه المهربون أكبر عدد ممكن من اللاجئين مقابل 1200 دولار عن كل شخص.

وفي الأثناء، يبدو أن حديث الهجرة إلى أوروبا بات أنيس مجالس السوريين في مدينة غازي عنتاب التركية. إذ يقول أبو توفيق الرجل الخمسيني الذي ترك حلب منذ أكثر من عامين إن مدخراته بدأت بالنفاد، وإنه يسعى لتأمين مستقبل أفضل لأولاده في أوروبا.

ويشاطره الرأي أبو وائل الفلسطيني الذي نزح من دمشق فيقول إنه لا يملك جواز سفر، وإنه جمع مبلغا من المال لتغطية تكاليف الوصول إلى ألمانيا أملا في حياة كريمة له ولأطفاله، مؤكدا أنه كان يحلم سابقا بالعودة إلى فلسطين وأنه بات على يقين بأن نهاية المطاف ستكون في أوروبا.

لاجئون سوريون يفترشون الأرض أمام مركز استقبالهم الرئيسي بالعاصمة الألمانية برلين (الجزيرة)

العنف والعوز
من جهته، يقول الكاتب السوري (من أصل فلسطيني) سلامة كيلة للجزيرة نت إن طبيعة الصراع الذي خاضه النظام السوري، والتي تمثلت في القتل الشامل وتدمير القرى والمدن، وتعقد الصراع بعد دخول قوى "أصولية إرهابية" لفرض سلطة "شديدة التخلف والعنف" في مناطق سيطرتها، ومع امتداد فترة الصراع وانهيار الاقتصاد، أصبح الهروب من العنف والعوز سبباً كافياً لهجرة كبيرة كالتي نشهدها الآن.

وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في أحدث تقرير لها، أن ما لا يقل عن 2157 مهاجرا سوريا قضوا غرقا منذ عام 2011، وذلك بعد أن وقعوا أسرى لدى "سماسرة الحروب" الذين يظهرون في النكبات الكبرى، في حين عرضت وسائل الإعلام مؤخرا مشاهد لسوريين قضوا اختناقا في شاحنة على الحدود النمساوية، وآخرين لفظهم البحر على الشواطئ الليبية.

ويقول الكاتب السيد أحمد إن هذه الأزمة التي تهز العالم توازي ردة فعل السوريين على يأسهم وإحباطهم ومدى معاناتهم، فهي تعبير عن اليأس من انتهاء الأزمة، مضيفا أن الأوروبيين أنفسهم باتوا يؤكدون أن هذه المأساة نتيجة لموقف الغرب السلبي تجاه ما يحدث في سوريا.

وفي هذه الأثناء، لم ينتظر حسن طويلا في أزمير، ففي جنح الليل كان قد استقل مع مجموعة من مواطنيه ظهر "البلم" وانطلق في رحلة الإبحار نحو مصير مجهول.

المصدر : الجزيرة