لا يزال الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر يشغل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي دعا مؤخرا لإعادة النظر في اتفاقيات وقعتها بلاده مع الجزائر قبل نصف قرن، الأمر الذي اعتبرته أصوات جزائرية تمهيدا لدخوله الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.

هشام موفق-الجزائر
 
تجاهلت حكومة الجزائر دعوة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي لإعادة النظر في الاتفاقيات الثنائيةالتي أبرمتها سلطات الاحتلال الفرنسي وقادة التحرير الجزائريين ضد الاستعمار قبل أكثر من 50 عاما، الأمر الذي أثار استياء المعارضة.

وأطلق ساركوزي تلك الدعوة في كلمة خلال لقاء ضم مئة مسؤول اقتصادي دون سن الأربعين نظمه "نادي شوازول" قائلا "يجب إعادة النظر في كل الاتفاقيات التي جرت بين الجزائر وفرنسا عام 1962. لقد مضى وقت طويل"، حسب صحيفة "لوبوان" الفرنسية، التي قالت إنها اطلعت على تقرير مفصل عن الملتقى.

ونالت الجزائر استقلالها عن فرنسا في 5 يوليو/تموز 1962 بعد سبع سنوات ونصف السنة من ثورة تحريرية مسلحة خاضها الشعب بقيادة جبهة التحرير الوطني، وحصل الاستقلال تتويجا لنتيجة استفتاء شعبي بشأن تقرير المصير.

الطاهر بن بعيش ينتقد تخاذل الحكومة (الجزيرة)

الاستفتاء
وجاء الاستفتاء بعد أشهر من المفاوضات بين الاحتلال وممثلين عن جبهة التحرير، وقع بعدها الطرفان في مارس/آذار 1962 "اتفاقية إيفيان" التي تطرقت إلى ملفات عدة منها شروط استفتاء تقرير المصير، والنظم العامة، ووقف إطلاق النار، ومبادئ التعاون الاقتصادي والمالي واستغلال ثروات الباطن بالصحراء الجزائرية، والتعاون الثقافي والحريات العامة ووضع الجزائريين في فرنسا والفرنسيين بالجزائر.

ويعتقد كثير من الجزائريين أن هناك بنودا في الاتفاق بقيت سرية، وأنه حتى المعلن عنها "لا تمثلهم لأنها مجحفة ومنقصة للاستقلال". وليست "إيفيان" هي الاتفاقية الوحيدة، بل هناك عدة تفاهمات أخرى بين الطرفين وقعت كملاحق للاتفاقية الأولى أو اتفاقيات جديدة، أهمها اتفاقية عام 1968 التي تُعنى بأوضاع المهاجرين والمغتربين الجزائريين بفرنسا.

وقوبلت تصريحات ساركوزي التي لا تعد الأولى من نوعها تجاه الجزائر، بتجاهل جزائري رسمي، وقال الصديق شهاب المتحدث باسم حزب التجمع الوطني الديمقراطي -حزب السلطة الثاني- إن حزبه "لا يعير أي اهتمام لهذا الشخص لأننا اعتدنا على مزاجه المتقلب، وفي كل مرة يدلي بتصريحات ثم يتراجع عنها ويعتذر، ويقول إنه قد أُسيء فهمه".

وقال شهاب للجزيرة نت إن العلاقات الجزائرية الفرنسية "متينة وتاريخية، نتجت عنها ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا أعتقد أن تصريحا أو تصريحات من أمثال هذا الشخص ستعكر صفو هذه العلاقات".

  عبد الرحمن بلعياط: كلام ساركوزي غامض (الجزيرة)

حديث غامض
من جهته اعتبر الوزير الجزائري السابق عبد الرحمن بلعياط تصريحات ساركوزي "كلاما مُجملا وغامضا".

وقال للجزيرة نت "إذا أراد هذا الشخص إعادة النظر في الاتفاقيات فليقل أي البنود تحرجه، ونحن مستعدون لذلك، لأن الاستقلال أخذناه بسواعدنا وتضحيات الشهداء، أما أن يتحدث بالجملة هكذا فهذا شأن فرنسي لا يعنينا".

لكن المعارضة انتقدت صمت السلطات الجزائرية، وحذرت من تداعيات هذا السلوك، وأعرب رئيس "حزب الفجر الجديد" المعارض الطاهر بن بعيش عن أسفه من "تخاذل السلطة من الرد على هذا الشخص".

وأضاف أن "ساركوزي يتجاوز حدود اللياقة في كل مرة، ويهين الجزائر، ولا يوجد من يرد عليه وأخشى أن يطرح مستقبلا فكرة إعادة الاستفتاء عن الاستقلال، ولا نجد من يضعه عند حده".

فتيحة بوروينة تتحدث عن دوافع ساركوزي الانتخابية (الجزيرة)

عقيدة اليمين
أما الكاتبة الصحفية فتيحة بوروينة فقالت إن ساركوزي "ما هو إلا امتداد لفكر جيسكار ديستان وعقيدة اليمين المحافظ الذي حاول منذ سبعينيات القرن الماضي اللعب على ملفي الهجرة والإسلام كملفين يخيفان الفرنسيين".

وأضافت "ديستان سبق أن حاول خرق أهم ملاحق إيفيان وهي اتفاقية 1968، حين طالب السلطات الجزائرية عام 1975 بإعادة ما يزيد عن 30 ألف جزائري يحوزون على بطاقة الإقامة في فرنسا إلى الجزائر، وخلق حينها أكبر أزمة سياسية بين باريس والجزائر".

وخلصت بوروينة إلى القول إنه "لا يمكن فصل تصريحات ساركوزي هذه عن الحملة الانتخابية الاستباقية له قبل رئاسيات 2017، التي سوف تكسبه الكثير من أصوات الفرنسيين".

المصدر : الجزيرة