يحرص كثير من الحجاج على وداع مكة بتقبيل الحجر الأسود اقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن أعدادا قليلة من الحجاج تستطيع الوصول إليه بسبب الزحام الشديد، فيما يفضل حجاج آخرون التوجه للمدينة المنورة لزيارة مسجد الرسول وقبره الشريف.

أمين محمد حبلا-مكة المكرمة

لا تزيد تلك العجوز -التي يبدو من سحنتها أنها مغربية- على ترديد "اللهم إني أسألك الشهادة" وهي تقاوم وتغالب لكي تقبل الحجر الأسود، انتهى الجزء الأكبر من المهمة، فقد بقي أقل من متر يفصلها عن الموضع المقدس، ولكن بقي الجزء الأصعب، ففي هذا الحيز يشتد التدافع والزحام وتكثر حالات الإغماء والإعياء وربما يسقط جراء ذلك جرحى وشهداء.

حين نصحنا مرافقها (يبدو أنه ولدها) بالحذر عليها وإبعادها عن الخطر، قال إنها مصرة على توديع بيت الله بتقبيل الحجر الأسود، لم نستطع الوصول إلى مبتغانا فغادرنا بهدوء وتركنا تلك الحاجة تغالب الجموع وتدعو بالشهادة.

ليست الحاجة المغربية التي تعد للأوبة إلى بلادها المشوقة الوحيدة التي يُبكيها فراق الحرم، فالملايين التي غادرت أو ستغادر مكة خلال أيام تحمل أشواقا بعدد الأشخاص، وحنينا لا يسعه مكان ولا زمان، سواء المتعجل منهم أو من سيمكث بعد ذلك ليقضي من البيت ومكة أربا وحاجة.

ساحات المسجد الحرام تعج بآلاف الحجاج الذين يقصدون البيت الحرام للصلاة والعبادة (الجزيرة)

قبلات الوداع
والحجر الأسود الذي يتدافع الناس لتقبيله هو مبتدأ الطواف حول الكعبة ومنتهاه، وهو حجر نزل من الجنة أبيض من الثلج، فسودته خطايا بني آدم كما في الحديث الشريف، ويستطيع قلة من الحجاج الوصول إليه بفعل قوة الزحام وشدة التدافع.

في ليلة توديعنا للبيت الحرام سهرنا معا، تسامرنا حتى الصباح، مئات آلاف الحجيج المتعجلين اتسعت لهم رئتا ساحات الحرم، وكأنهم نسيم يعبر الشغاف، وامتدت بهم شوارع مكة، وكأنهم يريدون أن يعيشوا ساعاتهم الأخيرة مع البلد الحرام بكامل دقائقها ولحظاتها.

في البيت الحرام توزعوا بين ساع وطائف وبين قارئ ومصل يقضي ليلته سجودا وركوعا، وآخرين آووا إلى زوايا يتضرعون فيها، بين قائم وقاعد ومضطجع يريد أن يعفر جسمه ويمرغه في تلك الأرض الطيبة الطاهرة.

تتعلق الأفئدة بالبيت وتشخص إليه الأبصار وكأنها تحمل منها زادا توزعه على الشغاف والمشاعر، لقد شامت في الكعبة والحجر الأسود جلال المكان وعظمة التوبة، وفاح من البيت على القلوب أريج تحسه الأفئدة وإن عجزت الألسنة على التعبير عنه، مثل حال ذلك الحاج الباكستاني الذي علق بصره بالكعبة وبقي يسيل الدمع مدرارا على لحيته الكثة.

الخشوع والتقرب إلى الله بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن أكثر ما يشغل ضيوف الحرام (الجزيرة)

تذكار من الحرم
وكما للبيت زحمته المقدسة للأسواق المحيطة بالحرم هي الأخرى نصيب من الزحام، حيث امتلأت عن بكرة أبيها، وكل يريد أن يصطفي لأحبابه وذويه هدايا مهما كانت رمزيتها من الأرض الحرام، وأغلب ما يقتنيه الحجاج، حسبما يقول خالد أحد أرباب محلات بيع الهدايا بسوق الصفوة قرب الحرم هي العطور والسبح وماء زمزم وأجهزة الأذكار والأدعية.

وبعد انتهاء موسم الحج يغادر أغلب الحجاج إلى بلدانهم، فيما يتجه آخرون إلى المدينة المنورة لزيارة مسجد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وقبره الشريف، والصلاة في الروضة الشريفة.

وهنالك في المواجهة أيضا يبث المؤمنون أشواقهم عند الروضة الشريفة ويخضلون جوانبها بالدعاء والدموع السخينة التي تغسل درن القلوب.

ورغم التعب والمشقة والزحمة والتدافع لا أحد هنا يريد أن يغادر، الجميع يريد أن يمد في وقته ويطيل بقاءه في هذه الأرض المباركة، وللجميع هنا دعاء يتردد على كل لسان "اللهم لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك".

المصدر : الجزيرة