حين تقلع وتحلّق عاليا في سماء المدينة المقدسة لن تشعر بنقص في حدة الشوق ولا في رهبة المشاعر، فالإطلالة من الجو على المشاعر المقدسة تعطيك شعورا مختلفا، تشعرك بالرهبة والخشية، يأسرك المكان بجلاله وجماله، تماما كما يشدك الزمان بقدسيته وعظمته.

أمين محمد حبلا-منى

أن تقر عينيك بالبيت الحرام، وبـمنى ومزدلفة وعرفات، فالأمر سيكون مختلفا جدا عن القراءة عنها أو السماع، ولكن أن تحلق في سمائها وتتجول في أجوائها فإن الأمر مختلف جدا، هنالك يمتد الأفق وترى مكة وقد توشحت بأنوار الجمال والجلال وعانقتها الجبال السمر وكأنهم إخوة وحراس.

استغرقت رحلتنا فوق المشاعر المقدسة عبر مروحية تابعة للداخلية السعودية نحو ساعة حلقنا خلالها في أجواء مكة ومنى ومزدلفة وعرفات، وطفنا ثلاث مرات حول الكعبة المشرفة، كما درنا العدد نفسه حول منطقة الجمرات ومخيمات منى.

مخيمات الحجاج تتوسط مشعر منى (الجزيرة نت)

رحلة مشاعر
من الجو تبدو خريطة المشاعر أكثر وضوحا وأكثر تأثيرا، هنا تبدو مسارات الحجيج واضحة. قد تستغرق الرحلة بين مكة ومنى أو بين منى وعرفات ساعات طويلة أحيانا في أيام الحج، ولكنها في الرحلة الجوية لا تستغرق إلا دقائق معدودة بين هذه المشاعر.

ولئن كانت المتابعة من الأرض تحجب عنك الأفق الممتد مسافات طويلة، فإن الإطلالة من الجو تكشف لك حجم جماهير الحجاج الهادرة في الشوارع المقدسة ملبية ومكبرة وداعية، ترفعها النجاد وتحطها النهاد.

وأنت إذ تشرف على هذه الأمواج من البشر وهو ترفع التكبير والتهليل، تحس وكأن حبلا من النور يمتد من الأرض إلى السماء وكأن الغمائم التي تطرز جو مكة قد تحولت إلى آذان مصغية لصوت التلبية والتكبير.

الجبال تحيط بمشعر منى من معظم الاتجاهات (الجزيرة نت)

مدينة الجبال
صورة الجو تماما مثل صور مرآة السيارة تظهر الأشياء أصغر من حجمها الطبيعي، فطوابير الحجيج وهي كبيرة عند الله، عظيمة في عيون عباده، تبدو من الجو وكأنها كائنات صغيرة.

وحدها جبال مكة ومنى تبدو حاضرة بقوة بشموخها وكبريائها، لدرجة أنك تكتشف أن المنطقة تكاد تكون كلها جبالا ومرتفعات، وما بقي فهو استثناءات وتفاصيل.

التحليق في محيط الحرم والطواف حول الكعبة من الجو يبعث الطمأنينة والرهبة في النفس، فهذا المكان الذي يمثل سرة الأرض في اتصال دائم مع السماء، يطوف به المؤمنون على مدار الساعة.

زميلتنا الصحفية في قناة الجزيرة هالة الخيري ظلت متماسكة إلى أن بدأنا الطواف بالكعبة، فانفجرت بالبكاء وظلت متأثرة دامعة حتى انتهت الرحلة وهبطنا على الأرض. تقول هالة الخيري للجزيرة نت إنها أحست وهي تطوف جوا بالكعبة أنها أقرب إلى رب العالمين، وأنها في تماس مع الدعوات التي ترتفع إلى السماء من هذا المكان المقدس.

وأضافت "كنت أرتجف رهبة من المكان، وخوفا من رب المكان. دعوت ما وسعني الحال للجميع، وللأوطان المنكوبة، وكنت أتأثر أكثر وأنفعل كلما اقترب الوقت من نهايته والرحلة من تمامها".

يقول الذين أتيحت لهم فرص الدعاء في جوف الكعبة إن هالة النور قد أحاطت بهم وإن سبحات الجلال قد غمرت وجوههم، أما الذين حلقوا فوقها وفوق المشاعر فقد سبحوا في بحر من النور وفي مجال مفتوح تعبده صهوات الدعوات الصادقة ورفيف أجنحة الملائكة في رحلتهم الأبدية بين الأرض والسماء.

المصدر : الجزيرة