لا تنتهي عذابات اللاجئين مع وصولهم ألمانيا، فهناك مجموعات اليمين المتطرفة التي تترصدهم وتعتدي على مراكز إيوائهم، وتنظم مظاهرات ضدهم، مما دفع السلطات للتحرك والمواجهة، ببرامج إدماج للضيوف وسوق للعمل.

خالد شمت-برلين
بموازاة تزايد التعديات على مراكز إيواء اللاجئين بمدن ألمانية مختلفة وعودة حركة "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب" (بيغيدا) للمشهد وتنظيمها مظاهرات ضد تدفق اللاجئين، اتفقت تقديرات تيارات سياسية متباينة، ومعنيين بقضايا الهجرة، أن مكافحة المجموعات اليمينية المتطرفة تشكل مفتاحا مهما لتسريع ونجاح برامج إدماج اللاجئين القادمين للبلاد.

وتحتل قضية تسريع إدماج اللاجئين -الذين تتوقع تقديرات رسمية أن يصل عددهم إلى ثمانمئة ألف لاجئ بنهاية العام الجاري- أولوية رئيسية بأجندة حكومة المستشارة أنجيلا ميركل المتطلعة لإلحاق القادمين الجدد بدورات لتعلم الألمانية وقواعد الإدماج، لتأهيلهم بسرعة للتوجه لسوق العمل المتعطشة لهم بمجالات عديدة.

واعتبر وزير الداخلية، توماس ديميزير، أن التيارات اليمينية المتطرفة المعادية للأجانب أصبحت تشكل خطرا كبيرا على إدماج اللاجئين القادمين للبلاد، وأشار خلال حوار تلفزيوني، إلى أن الإحصائيات الرسمية لوزارته سجلت ارتفاعا كبيرا بأعداد المستعدين للعنف من أعضاء هذه المجموعات.

جميلة يوسف: التيارات اليمينية المتطرفة تكثف دعايتها ضد اللاجئين (الجزيرة)

اعتداءات متزايدة
وشدد ديميزير على عزم أجهزته الأمنية مواجهة أي محاولة للتأثير سلبيا على اندماج اللاجئين من جانب تيارات اليمين المتطرف، ودعا لعدم المبالغة في الحديث عن سعيهم للتأثير على اللاجئين.

وجاءت تلك التصريحات في أعقاب تزايد حوادث اشتعال الحرائق بمراكز استقبال اللاجئين بمدن مختلفة، وتنظيم مجموعات يمينية متطرفة مظاهرات مناهضة للاجئين خاصة بشرقي البلاد، وكشفت إحصائيات رسمية عن تجاوز عدد الاعتداءات مئتي حالة منذ بداية العام الجاري.

وتزامن وقوع هذه الحوادث مع تصاعد الدعايات المحرضة ضد اللاجئين على شبكات التواصل الاجتماعي، والبروز الجديد لحركة "بيغيدا" وتنظيمها مظاهرات معادية للاجئين جرت مؤخرا في دريسدن ولايبزيغ وميونيخ.

ودعت النائب بالبرلمان (بوندستاغ) جميلة يوسف للتصدي الحازم لكافة مظاهر التحريض اليميني ضد اللاجئين، واعتبرت -بتصريح للجزيرة نت- أن التيارات اليمينية المتطرفة تستغل عدم المعرفة والمخاوف المفاجئة والأحكام النمطية المسبقة بالترويج لدعايتها ضد اللاجئين.

وأوضحت أن أكثرية الألمان قدموا نموذجا رائعا بمواجهة التحريض اليميني وإبراز تضامنهم مع اللاجئين من خلال فتح قلوبهم للقادمين الجدد، والعمل بأعداد كبيرة تطوعا بمساعدتهم، دون تأثر من انتماء أكثرهم لدين آخر.

شيفر: الواقع الحالي برز فيه تطرف واضح بين فريق يدعو للعنف ضد اللاجئين وآخر يساعدهم (الجزيرة)

استشعار الخطورة
وقالت النائبة -المنتمية للحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم- إن تحريض اليمين المتطرف ضد اللاجئين يشابه بالخطورة مناخا مماثلا ساد البلاد حقبة التسعينيات وأدى لحوادث تسببت بقتل لاجئين، وأشارت إلى أن الأوضاع الحالية تختلف عن مثيلاتها بالتسعينيات، حيث نشهد اليوم تصديا واسعا من كافة فئات المجتمع المدني للتيارات المعادية للاجئين.

ومن جانبها، قالت مديرة معهد المسؤولية الإعلامية، د. زابينا شيفر، إن استشعار خطورة تيارات اليمين المتطرف مع تدفق اللاجئين لألمانيا، دفع المؤسسات السياسية للتحرك الحازم أمنيا وقضائيا لمواجهة هذه الشبكات اليمينية بعد أن ظلت مواجهتها متروكة للمجتمع المدني.

وأوضحت -في تصريح للجزيرة نت- أن وجود قاعدة بيانات لدى الجهات الرسمية عن ثلاثمئة شبكة إسلامية مقابل 16 فقط لليمين المتطرف، يعكس وجود تأخر بمواجهة الدعاية العنصرية المعادية للأجانب.

وأشادت شيفر بتركيز الإعلام الألماني على إبراز تطوع أعداد كبيرة من المواطنين بمساعدة اللاجئين، ولفتت في المقابل إلى فتح مواقع على الإنترنت أبوابها لعرض كتب تعتبر توافد اللاجئين على أوروبا مؤامرة لأسلمة القارة، ولمقابلات تصف المسلمين كلهم بالخطرين.

وأضافت أن أهمية تحرك المؤسسات السياسية والقانونية بفعالية أكبر للتصدي للدعاية المحتقِرة للبشر المخالفين على شبكة الإنترنت، وخلصت إلى أن الواقع الحالي برز فيه تطرف واضح بين فريق يمارس التحريض العنصري ويدعو للعنف، وآخر مستعد لمساعدة اللاجئين دون الالتفات للأسباب التي تدفعهم لمغادرة أوطانهم.

المصدر : الجزيرة