تلجأ كثير من عائلات العراق إلى العشيرة لحل النزاعات التي تحدث بينهم لتسويتها أو تعويض المعتدى عليه، وقد وصلت الظاهرة إلى درجة لجوء النواب لعشائرهم بدلا من القضاء، وهو ما اعتبره مراقبون دليلا على تراجع دور الدولة وضعف الثقة فيها.

أميمة يونس-بغداد

تزايدت حالات لجوء السياسيين العراقيين إلى قانون القبيلة، الذي يعد أقدم تنظيم اجتماعي بالعراق، وذلك نتيجة ضعف القضاء وتسييسه وغياب دور الدولة التي يمكن أن تضمن للفرد حقوقه وأمنه في ظل أداء حكومي ضعيف ووضع أمني غير مستقر.

وتلجأ كثير من عائلات العراق، خاصة في محافظات الوسط والجنوب ومناطق ببغداد، إلى العشيرة لحل النزاعات التي تحدث بينهم لتسويتها أو تعويض المعتدى عليه بمبالغ مادية لما لحقه من أضرار.

وقد توجهت النائبة عن ائتلاف دولة القانون عواطف نعمة إلى العشيرة لحل الإشكال مع وزير التربية محمد إقبال، حيث ادعت تعرضها هذا الشهر إلى محاولتي اغتيال واختطاف من قبل مجموعة مسلحة داخل مبنى وزارة التربية ببغداد، وهو ما يعد دليلا آخر على ضعف الدولة والقضاء في البلاد.

نعمة: العشيرة تقوى عندما تضعف الدولة
(الجزيرة)

واعترفت نعمة للجزيرة نت بأن العشيرة تقوى عندما تضعف الدولة، وأنه أمر بات واقعا في البلاد، كما تبرر نية عشيرتها (الدريسات) مقاضاة وزير التربية عشائريا بالقول "هذا أمر يخص العشيرة، تلجأ إليه عندما ترى أن هناك تجاوزا حصل على أحد أبنائها، وهو عرف معمول به لدينا في حل الخلافات وفض النزاعات التي يفشل القانون بحسمها".

وأكدت أن الدعوى القضائية التي رفعتها على وزير التربية ما زالت قائمة، وأضافت "أنا أتمسك بالقانون وباستجواب من كان وراء محاولتي الاغتيال والخطف اللتين تعرضت لهما".

لكنها شددت على أنها ستلجأ إلى القنوات القانونية الأخرى إذا أهملت الحكومة مطالبها "التي تعد قانونية ودستورية".

وسبق أن غرمت عشيرة النائبة حنان الفتلاوي عشيرة المتحدث باسم كتلة الموطن (التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي) بليغ أبو كلل، على خلفية تصريحات متلفزة، مبلغ 100 مليون دينار عراقي، في الفصل العشائري الذي حصل في مدينة الحلة (100 كلم جنوب بغداد).

من جانبها اعتبرت النائبة عالية نصيف جاسم أن لجوء السياسي إلى العشيرة لحل خلافاته أمر غير صحيح ولا ينم عن مسؤوليته الحكومية، وتابعت "من العيب أن يتوجه المسؤول الأول في السلطة التشريعية إلى العشيرة، ضاربا القضاء بعرض الحائط".

وتعتقد نصيف جاسم أن هناك تراجعا لدور القانون والقضاء في البلاد، الأمر الذي شجع العشيرة على فرض سطوتها "بشكل لا يمكن القبول به".

الهاشمي: القضاء يعاني من عدم ثقة المواطن بأدائه (الجزيرة)

مخالفة القانون
أما الخبير القانوني طارق حرب فرأى أن العشيرة تبدأ بالتحرك عندما تكون الدولة ضعيفة، ولفت إلى أن "طغيان العشيرة بات أمرا غير مقبول".

وعما إذا كانت هناك قوانين تحد من هذه الظاهرة، أوضح للجزيرة نت أنه سبق للبرلمان أن أقر قانونا يعاقب فيه كل من يدعي بالمطالبة العشائرية عن الأطباء، وأضاف أن قانون مجلس قيادة الثورة المنحل ما زال نافذا، والذي يعاقب بالحبس ثلاث سنوات على كل من يدعي عشائريا، إلا أن الجميع لا يلتزمون بهذه القوانين، حسب قوله.

واعتبر أن القضاء في موقف لا يحسد عليه، وأن الكثيرين لا يستطيعون الذهاب إلى القضاء لأن سطوة العشيرة باتت أكبر، "خاصة بعد عمليات القتل والتهديد التي طالت العديد من القضاة".

ويعد الفراغ الأمني الذي نشأ عقب الغزو الأميركي عام 2003 سببا لتنامي نفوذ العشائر، كما توقع المحلل السياسي واثق الهاشمي ازدياد الاستعانة بالعشيرة في حل الخلافات والنزاعات في المرحلة المقبلة، قائلا إن "هذه الحالة ستتفاقم، وقد يصل الأمر إلى قمع حرية التعبير بتهديد الصحفيين وكل من يتجرأ على فتح أي ملف أو انتقاد أي جهة".

واستغرب لجوء أعضاء البرلمان للقبيلة دون القضاء، مع أنهم يمثلون أعلى سلطة تشريعية في البلاد، ودورهم يقوم على دعم المؤسسة الحكومية وليس إضعافها، كما رأى أن القضاء يعاني من عدم ثقة المواطن بأدائه.

المصدر : الجزيرة