يتفق محللون سياسيون فلسطينيون على أن تراكم الأزمات في قطاع غزة يومًا بعد آخر، وآخرها الحراك الشعبي المطالب بإنهاء أزمة انقطاع الكهرباء، يتطلب من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) المسيطرة فعليا على مقاليد الحكم فيه البحث عن بدائل وحلول لمعالجة المأزق السياسي والإنساني الحاصل.

وانطلقت في الأيام الماضية مظاهرات ووقفات احتجاجية غاضبة في عدد من مدن وأحياء القطاع، لمطالبة حركة حماس -باعتبارها المسيطرة على القطاع منذ منتصف عام 2007- والجهات المعنية بإنهاء أزمة الكهرباء التي طال أمدها.

ويعاني القطاع -الذي يعيش فيه نحو 1.9 مليون نسمة (بحسب إحصاءات رسمية)- منذ ثماني  سنوات، من أزمة حادة في انقطاع الكهرباء، حيث انخفضت ساعات توصيل التيار الكهربائي في بعض مناطق القطاع إلى أربع ساعات فقط في اليوم.

وتقول حكومة الوفاق التي تشكلت في يونيو/حزيران 2014 إنها عاجزة عن تسلم مهامها في المؤسسات الحكومية في قطاع غزة، متهمة حركة حماس بتشكيل "حكومة ظل"، وهو ما تنفيه الأخيرة.

ويرى طلال عوكل الكاتب السياسي في صحيفة الأيام الفلسطينية الصادرة من رام الله بالضفة الغربية، أن تردي الأوضاع الإنسانية في القطاع وصل إلى حد غير مسبوق من المعاناة والألم، وهو ما قد يدفع إلى تحرك شعبي واسع.

وقال إن "حماس هي من تتولى الحكم فعليًا على الأرض، لهذا هي مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم تنازلات سياسية، وأن تُسلم المؤسسات والمعابر لحكومة الوفاق الوطني".

ووفق عوكل، يتوجب على حماس أن تغير سياساتها، وأن تتحلى بجرأة غير مسبوقة لتسليم غزة بشكل كامل للسلطة، ومعالجة التناقضات والانقسام بينها وبين حركة فتح التي يتزعمها الرئيس محمود عباس.

مسيرة مؤيدة لحركة حماس في غزة (أسوشيتد برس-أرشيف)

تحديات صعبة
من جانبه، يقول عدنان أبو عامر الكاتب السياسي وعميد كلية الآداب بجامعة الأمّة (خاصة) بغزة، إن الأزمات الاقتصادية والإنسانية المتلاحقة في القطاع، وتأخر إعادة إعمار ما خلفه العدوان الإسرائيلي الأخير، وتعثر مفاوضات تثبيت التهدئة، "تضع تحديات صعبة أمام صناع القرار في حماس".

وأضاف أبو عامر "صحيح أن الحركة سلّمت إدارة الشأن العام لحكومة الوفاق، إلا أنها لا تزال تتولى رسميًا مسؤولية مقاليد الحكم في غزة، وهو ما يدفعها للبحث عن حلول للخروج من هذا المأزق الكبير".

ويرى الكاتب السياسي أن حماس مطالبة بالمحافظة على الجبهة الداخلية، مستدركا أن "عليها أن تناور وتتحرك داخليًا وخارجيًا من أجل تحصين حاضنتها الشعبية، فالمعاناة في غزة اليوم امتدت إلى كافة القطاعات، وقد ترى الحركة نفسها أمام حراك شعبي متلاحق".

وأردف أنه "قد تكون لدى حماس تخوفات مشروعة من أن ما يجري مخطط له من بعض الجهات والأطراف لإسقاطها، لكن الحركة مطالبة بالبحث عن بدائل ومواجهة ما يجري".

ومن بين الحلول التي من شأن حماس أن تلجأ إليها للتخفيف من معاناة السكان -وفق أبو عامر- أن "تنصت لمطالب الشارع، وأن تسعى إلى توفير الأموال وفتح قنوات اتصال مع الأطراف والدول الداعمة لها، من أجل العمل على الحد من الأزمات الإنسانية المتفاقمة".

ويستبعد أبو عامر أن تقوم حماس بتصدير الأزمة الراهنة باتجاه إسرائيل، مضيفًا أن "الحركة لديها من النضج السياسي ما يمنعها من افتعال معارك مع إسرائيل بسبب أزمات القطاع الإنسانية، لكنها قد تلجأ عبر وسطاء للضغط على إسرائيل من أجل فك حصار غزة، بما لديها من أوراق ضغط، كالجنود الإسرائيليين المفقودين".

وتراكم الأزمات في قطاع غزة قد يدفع سكانه إلى عدم الاحتمال، كما يرى مخيمر أبو سعدة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر (حكومية) بغزة.

وقال أبو سعدة "كان هناك تفاؤل غير مسبوق بقرب توصل حركة حماس مع إسرائيل إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد، وإنهاء الحصار بشكل كامل، وعلاج كافة الأزمات الإنسانية، خاصة أن قادة بارزين بالحركة بشّروا بانفراجة قريبة، ولأن العكس هو ما حدث شعر سكان القطاع بالإحباط".

مسيرة ضد إجراءات أونروا للتقشف بغزة (وكالة الأناضول-أرشيف)

بدائل وحلول
وهذا الإحباط المتزامن مع سوء الأوضاع الاقتصادية، يتطلب من الحركة أن تبحث عن بدائل وحلول للخروج من هذا المأزق السياسي والإنساني، بحسب أبو سعدة.

واستدرك بالقول "عليها أن تسلم كل شيء لحكومة الوفاق كي تكون هي المسؤولة عن حل أزمات القطاع، حماس في الوقت الراهن عليها أن تقدم تنازلات سياسية، لا أحد يطلب منها التخلي عن برنامجها وعن سلاحها، لكن هناك تحركات عليها أن تسير في اتجاهها لمنع هذه المأساة الإنسانية، وإلا فإنها ستكون أمام حراك شعبي، قد يتحول إلى غضب لا يمكن السيطرة عليه".

ووفق المحلل السياسي أبو سعدة، بإمكان حماس أن تقوم بإعادة ترتيب أوراقها السياسية عبر فتح قنوات اتصال مع أطراف خارجية وتحسين علاقتها مع مصر.

وكان يحيى موسى القيادي بحركة حماس قال في مقابلة مع الأناضول في 18 مايو/أيار الماضي، إن حركته تعاني من نقل الأموال وكيفية إيصالها إلى قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي.

ومنذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، تفرض إسرائيل على غزة حصارًا خانقًا. وقال التقرير السنوي الصادر عن منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، مطلع الشهر الجاري، إن غزة قد تصبح منطقة غير صالحة للسكن قبل عام 2020، خاصة مع استمرار الأوضاع والتطورات الاقتصادية الحالية في التراجع.

المصدر : وكالة الأناضول