في رحاب الأراضي المقدسة بمكة المكرمة، ينشد السوريون والغزيون الأمن الروحي والسلام اللذين يفتقدونهما في كل من سوريا المنهكة بالحرب وما أفرزته من مآس ولاجئين، وغزة المحاصرة. وقد وقفت الجزيرة نت على معاناتهم قبل وصولهم إلى الديار المقدسة.

أمين حبلا-مكة المكرمة

تتكئ الحاجة منى بربخ على أكثر من خمسين عاما رافقت فيها مأساة فلسطين منذ أن كتب الدم والتهجير تغريبة الإنسان هناك، وعلى حزن عريض عناصره شهيدان من أبنائها وأسرى وجرحى ومصابون.

في محيط المسجد الحرام وفي سماء مكة تستنشق بربخ هواء جديدا لا يلوثه الحصار والحواجز، بعد رحلة طويلة وشاقة بين غزة المحاصرة وأرض الحرمين الطاهرين، عبورا من معبر رفح.

تحج بربخ نيابة عن أحد ولديها الشهيدين، وتدعو لهما بالرحمة والغفران، وتنساب دموعها كينابيع زمزم وهي تتذكر أولادها وإخوانها الذين قطف الاحتلال الإسرائيلي زهرات أعمارهم. وللوطن الكبير وآلامه المعمرة، وآماله في توافق وطني، نصيب من الدعوات، وللأقصى الشامخ دعوات أخرُ.

الحاج فايز صالحة يجد في الحج أكبر علاج نفسي يمنحه فرصة للهروب إلى الله وجوّ الرحمة (الجزيرة نت)

رحلة شاقة
تتذكر هذه المرأة الغزية صعوبة إجراءات الخروج والوصول إلى مطار القاهرة، حيث خضعوا لإجراءات أمنية مشددة، واستغرقت رحلتهم بالحافلات من معبر رفح إلى مطار القاهرة 12 ساعة بدلا من ست أو سبع ساعات في الحالات الطبيعية، أصيبت خلالها بعض النسوة بحالات إغماء وكادت الدماء أن تتجمد في عروق البعض الآخر.

منى بربخ وجه غزي عتيق يختصر مأساة الغزيين وسعيهم الحثيث إلى الخروج من ربقة الحصار إلى فضاء الحج والانتظام في سلك ضيوف الرحمن، بعد أن اختيرت هذه السنة ضمن ضيوف الملك الذين تستقبل المملكة العربية السعودية منهم سنويا ألف حاج من فلسطين من بينهم خمسمئة من غزة من ذوي الشهداء حصرا، لكل منهم قصة خاصة.

من بين هؤلاء الحاج فايز صالحة (52 عاما) الذي وجد في نسيم الحرم فرصة غير مسبوقة لعلاج أزمته النفسية التي فاقمتها سنوات أسر امتدت من 1984 إلى 1993 وفقدان زوجته وأربعة من أبنائه في إحدى الغارات الإسرائيلية على بيته مطلع عام 2009.

تحطم منزل الحاج صالحة ذو الطوابق الثلاثة في تلك الغارة الآثمة، استشهد أغلب أفراد أسرته وتحطم البيت حصاد السنين، فأضافت سلسلة المأساة حلقة أخرى حول عنقه.

يقول صالحة وهو يتحدث للجزيرة نت إن هيئات الرعاية الصحية والنفسية في دول العالم تنظم رحلات ترفيه وإنعاش لضحايا المآسي وذوي الاحتياجات النفسية الخاصة، أما هو فيجد في رحلة الحج أكبر علاج نفسي يمنحه فرصة للهروب إلى الله وجوّ الرحمة والدعاء والمغفرة، يتناسى في ظلالها مآسي الحصار وسنوات الدمار والتشريد.

الحاج السوري عبد الله مهاجر يقول إن وصوله إلى مكة إحدى النعم التي كانت في ثنايا مأساة السوريين لجزيرة نت)

حجاج سوريون
ولئن كان الحجاج الغزيون يشكون من تعقد الإجراءات وصعوبة الحصول على رخص المغادرة إلى الحرم المقدس، فالصورة لم تكن مأساوية جدا بالنسبة للحجاج السوريين القادمين من تركيا هذا العام، حيث تحدثوا عن إجراءات أقل صعوبة وعن مسار أكثر بساطة وسهولة من طريق إخوانهم الذين مروا بأرض الكنانة.

الحاج السوري الشاب عبد الله مهاجر وصل إلى مكة ضمن مئات من السوريين قدموا من تركيا حيث تجمع الراغبون في الحج من سوريا.

يثني مهاجر على تعاطي الأتراك مع السوريين، حيث تغاضوا في اللحظات الأخيرة عن كل المسجلين في قوائم الحج، وسمحوا لهم بالمغادرة رغم أن العديد منهم في حالة مخالفة لأنظمة الإقامة والدخول إلى تركيا.

وصلت تكلفة الحاج السوري من تركيا لنحو أربعة آلاف دولار، ورغم أنه مبلغ كبير بالنسبة للاجئين لا شغل لهم ولا عمل، فإنه يرى من الطبيعي أن يبادر من توفرت لهم فرصة إلى الاقتراض واقتطاع أجزاء من مصروفه اليومي من أجل توفير تكاليف الحج.

يضيف "بالنسبة لي وأنا ابن الثمانية والعشرين عاما أعيش أحلام اليقظة، كان من عاشر المستحيلات في ظل نظام (الرئيس السوري) بشار الأسد أن يسمح لمن هو في سني أن يحج بيت الله. رغم كل شيء هناك نعمٌ في ثنايا مأساتنا المستمرة".

مآرب ودعوات شتى
ينشد الحجاج الغزيون والسويون الأمن الروحي والسلام الرباني في ظلال الحرم، حيث ترتفع الأكف لترسم خريطة الوجع في كل من فلسطين وسوريا.

بأعلامهم وآمالهم وبدعواتهم التي تشق آفاق الغيب يحقق الحجاج الفلسطينيون والسوريون مهمة عظيمة في مسار التحرير، فالحج -كما يقولون- أحد أهم معالم التعبير عن التحرير والاستقلال، ففي ظلال الحرم ننشد الحرية ونتزود بالقوة ونرفع القضية إلى ملك الملوك.

المصدر : الجزيرة