نفحات الرحمة والتعاون وسلوكيات الإخاء تخيم على الأجواء في محيط الكعبة المشرفة والمسجد الحرام تنفيذا لأمر الله ورسوله، ويتمم ذلك ابتسامة رجال الأمن في بيت الله الحرام الذي يشهد تنوعا نادرا من مختلف الجنسيات والثقافات.

أمين حبلا-مكة المكرمة

رغم هجير مكة القائظ، يحرص الحاج السيد إبراهيم سعد على البقاء مع زوجته الليالي ذوات العدد قريبا من بيت الله الحرام، لا يعود إلى محل إقامته إلا قليلا. المشاق والصعوبات هنا طبيعية ولا تثير تبرما أو تضايقا لدى أحد، الجميع هنا يرحب بها، وفي السعي للقرب من البيت الحرام لذة لا يستثقل الحجاج دونها شيئا.

ليس الأمر خاصا بإبراهيم سعد، فكثيرون هنا يقضون أغلب أوقاتهم في محيط الحرم يفترشون أرضه ويلتحفون سماءه، يكتفون من الغذاء بمياه زمزم وبوجبات خفيفة من المطاعم القريبة من الحرم.

من حين لآخر يقوم عمال نظافة المسجد الحرام بإغلاق بعض الطرق أو جنبات المسجد، فيسرعون إليها زرافات، وخلال دقائق تعود المياه إلى مجاريها، ويعود المتمسحون بأهداب الحرم لملء المكان، وكأن قلوبهم مشدودة إلى الكعبة لا يريدون أن يبتعدوا عن ظلالها الربانية.

في غمرة ذلك ينصرف البعض كما هي حال الحاج أحمد عيساوي لتوثيق اللحظة وأخذ صور تذكارية بجوار بعض معالم المكان المقدس، في وقت ينصرف آخرون للتجول في الحرم الطاهر ومحيطه سيرا على الأقدام وسبرا لأغوار المكان وما يحتضنه من آثار ومعالم.

يأنف آخرون من التصوير ويعتقدون أنه قد يفسد رهبة المكان وخصوصية اللقاء الرباني العظيم، خوفا من أن يكون ذلك من أعمال الرياء التي تفسد العمل الصالح.

في حين يدافع آخرون عن التقاط الصور، حيث تقول الحاجة المغربية وفاء "نأخذ ذكرى من تمر المدينة وماء زمزم ومن حصى مكة، وذكرى أيضا من الصور تبعث الحنين من جديد وتزيد التعلق بتلك البقاع الطاهرة وهذه الحملة الإيمانية الكريمة".

الحاج إبراهيم سعد مع زوجته قرب الحرم (الجزيرة نت)

طواف دائم
ويبقى المشهد الأهم في الحرم هو الطواف الدائم الذي لا ينقطع حول الكعبة، فخلال هذه الأيام يمتلئ صحن الكعبة بالكامل، وتشتد الزحمة في محيطه وأطرافه في ساعات الليل، ثم تخف قليلا بعد الشروق حين يغادر أغلب الحجاج لالتقاط الأنفاس بعد ليلة طويلة عامرة بالعبادة والتهجد والدعاء.

يترصد البعض تلك اللحظات فيبادر للطواف هروبا من الزحمة واختصارا للوقت، يستغرق الطواف بالكعبة في ليالي الزحمة ثلاث ساعات في الحالات المتوسطة، لكنه قد يستغرق نحو نصف ساعة في غياب تلك الزحمة.

مئات الحجيج يفترشون الأرض وينامون عليها (الجزيرة نت)

تراحم وتعاون
لا شيء يخفف من وطأة تلك الزحمة الشديدة وقسوتها مثل حالة التعاون والتراحم، يقول الحاج بدري "كلنا هنا إخوة وأشقاء، كل واحد يعطف على الآخرين، يتجنب إيذاءهم، نحن هنا نتزاحم على باب الله، باب الله واسع وعباده ضعاف يرحم بعضهم بعضا رغبة في أن ينالوا رحمة الكريم المنان".

ويبدو غريبا أن تشاهد تجمع أكثر من مليوني شخص في صعيد واحد، ومع ذلك لن تشاهد مشاجرة ولا خاصما، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وحين يتسبب أحدهم في إلحاق ضرر غير مقصود بحاج آخر يبادر بالاعتذار، فيتقبله الآخر بصدر رحب ونفس طيبة.

الابتسامة هنا تكسو الوجوه دائما، وتمثل لغة التواصل الأبرز بين مئات آلاف من البشر من مختلف اللغات والجنسيات والثقافات، حتى رجال الشرطة والأمن المسؤولين عن حفظ النظام وضبط الحجيج لا تسمع منهم سبا ولا دفعا ولا تعنيفا، هنا مفردات أخرى لا تنتمي إلى القمع والتعنيف لغة ولا سلوكا ولا تقاسيم وجوه.

وبقدر حرص الحجاج هنا على الوصول إلى مبتغاهم تقبيلا للحجر أو اقترابا من الكعبة، أو صلاة في الصحن، بقدر حرصهم على الالتزام بتعليمات المسؤولين عن النظام ورجال الشرطة.

يكتفي الشرطي وهو يريد منع الحجاج من الاقتراب من إحدى البوابات بالإشارة أو التلويح، وأحيانا بالقول "روح يا حاج الله يهديك" فيستجيب ضيف الرحمن طوعا دون إكراه، لا لجاج ولا جدال.

قداسة المكان وعظمة الزمان لا يضارعهما أو يقاربهما إلا طهارة النفوس، مئات آلاف الرجال والنساء على صعيد واحد، لن تسمع كلمة أو ترى لفتة أو نظرة مخلة بالحياء أو خارجة عن النسق الروحي الإيماني، بل ربما تختلط صفوف الرجال والنساء في الصلاة أو الزحام دون أن يشعر بعض ببعض، فالجميع هنا يمثل عائلة واحدة كبيرة في جو تغمره المشاعر الإيمانية الروحانية.

وللجميع هنا مآرب ومشاغل تمنعه من أن يرفع كفا لغير خالقه، أو يحيل بصرا إلى غير الجمال الرباني المحيط بالآفاق، أما الأقدام فتعرف طريقها طوافا وتجولا بين المشاعر المقدسة، دليلها الشوق الذي ينبض في النفوس والقلوب منذ النداء المقدس "وأذن في الناس بالحج".

المصدر : الجزيرة