تضم فصول المأساة السورية المفتوحة عناوين كثيرة بلغت حد المتاجرة بحاجات المحتاجين حتى إلى الغذاء والطعام، الذي أصبح مدخلا لتربح ضباط النظام في ريف دمشق والتجار والموردين التابعين له الذين يبيعون مواد غذائية فاسدة ومنتهية الصلاحية للمغلوبين على أمرهم هناك.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

دخلت عشرات الأطنان من المواد الغذائية المناطق المحاصرة بريف دمشق خلال الأيام الأربعة الماضية، لكن هذا الخبر لا يبعث على التفاؤل لأن الحقيقة تناقض الظاهر، خصوصا أن أغلب تلك المواد منتهية الصلاحية فضلا عن نوعيتها الرديئة، وعلى الرغم من ذلك تباع بأربعة أضعاف سعرها.

ويقول محمد عرنوس من مدينة التل إن النظام "يصرُّ على منع إدخال أية مواد قابلة للتخزين إلى مناطق المعارضة، فيما تبذل المنظمات الدولية جهودا مضنية لإدخال المعونات الإنسانية إلى تلك المناطق التي تؤوي أكبر عدد من نازحي الداخل، ويسعى النظام إلى فرض شروط تتعلق بنوعية المواد الطبية والغذائية الواردة إليها".

أما جمال الدين الذي وقف مندهشا أمام سلة المواد الغذائية، فأخذ يسأل زوجته "هل يستحق هذا الكيس ثلاثة آلاف ليرة؟"، وظل الرجل يكرر السؤال قبل أن تكتشف زوجته يمنى أن علب الجبن والعصائر والمربيات باتت منتهية الصلاحية.

ودفع جمال ثمن الكيس الذي قدّر قيمته الحقيقية بثمانمئة ليرة، دون أن يملك خيارا في انتقاء مواد محددة حسب حاجته، "كان علي أن أرضى بكامل السلة المحددة سلفا أو لا أحصل على شيء. إنها أغذية فاسدة، لكن زوجتي لم تتخلص منها حيث لا يوجد لدينا بديل لنأكله".

أما زوجته التي حضّرت الشراب المحلى المنتهي الصلاحية لأسرتها المكونة من أربعة أفراد، فقالت "لا نملك سوى أن ندعو الله أن لا يمسنا الضرر، فأطفالي وزوجي بحاجة للسكر".

بضاعة في أحد المتاجر التي أعيد فتحها مؤخرا، أغلبها ذات صلاحية قصيرة الأمد أو منتهية الصلاحية (الجزيرة)

ويقول ناشطون "إن تجارة المواد الغذائية داخل تلك المناطق تتم تحت إشراف ضباط النظام وتجار يعملون لصالحه. وبمعزل عن نوعية المواد وجودتها فإن قرارات فتح المدن وإغلاقها أمام الحركة التجارية تبقى محصورةً في التجار المحسوبين على النظام، بشروط وأسعار يحددها ضباط من الفرقة الرابعة".

وتدخل هذه المواد الغذائية المنتهية الصلاحية إلى معضمية الشام والتل وقدسيا، بعد موافقات طويلة بين أطراف الهدنة، بإشراف مباشر من ضباط في الفرقة الرابعة التي تتحكم في مصير أكثر من مليون مدني يقطنون هذه المناطق. لكن صلاحية السلع الموردة للمناطق المهادنة قصيرة الأمد مما يجعلها غير قابلة للتخزين، فضلا عن أسعارها مرتفعة  قياسا بأسعارها الرسمية.

ويقول ناشطون إن هذه السلع التي تتدفق يوميا إلى تلك المناطق تحقق أرباحا خرافية لمورديها تتجاوز 400%، وإن السلع غير الضرورية تشكل 60% من مجمل المواد الموردة يوميا، مؤكدين "تورط ضباط وصف ضباط من إدارة المخابرات الجوية والفرقة الرابعة في تصدير الأغذية الفاسدة لمناطق معارضة ومهادنة في ريف دمشق".

وأوضح مصدر مطلع رفض ذكر اسمه أن من بين هؤلاء "غسان بلال مدير مكتب ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، والمقدم ياسر سلهب أحد ضباط أمن الفرقة الرابعة، والمنسق العام للمصالحات الوطنية في سوريا حسن الغندور؛ الذين يعمدون للتضييق على المناطق المعارضة لرفع أسعار السلع الغذائية وحصرها في قنواتهم التي بدأت تأخذ شكلا مؤسساتيا معقدا".

ووفقا للناشط بريف دمشق عمار أحمد، فإن عائدات هذا القطاع تبلغ سبعين مليون ليرة سورية يوميا، يتلقاها ضباط برتب عالية من ثلاث مناطق يقطنها حوالي أكثر من مليون مدني. ويبدي أحمد تخوفه من أن تتسبب الأغذية الفاسدة في حالات تسمم وأمراض بين المدنيين، معتبرا ذلك "خطوة مدبرة للنيل من إرادة الشعب ودفعه نحو المزيد من الرضوخ".

المصدر : الجزيرة