علي سعد-بيروت

استعادت الألف ليرة لبنانية التي تساوي أقل من دولار مجدها، في واحدة من أكثر المناطق ارتفاعا في الأسعار والمخصصة لفئة معينة من الشعب والسياح الأجانب الذين يرصدون ميزانيات مرتفعة جدا لرحلاتهم السياحية.

ففي وسط مدينة بيروت حيث تنتشر المحلات ذات العلامات التجارية الفارهة والفنادق الخمس نجوم، وحيث تنتشر المقاهي والمطاعم العالية الكلفة، أقام ناشطون لبنانيون نشاطا بعنوان "سوق أبو رخوصة"، في إشارة إلى البضائع رخيصة الثمن.

وشهدت ساحة رياض الصلح على مرمى حجر من السراي الحكومي ومجلس النواب على بيع الكعك الرخيص وعصير الليمون والثياب المستعملة والكتب الرخيصة.

وانهمك الزائرون في معاينة البضائع المعروضة للبيع، فيما سجلت حركة مبيع مرتفعة كون الأسعار رخيصة جدا، لأن البائعين لن يدفعوا إيجارا للمكان الذي يبيعون فيه، كما شرح أحد الزائرين.

صراع طبقي
وكشف هذا النشاط عن وجه جديد للصراع بين السلطتين السياسية والاقتصادية من جهة والحراك الشعبي المتمثل في عدد من المجموعات التي نظمت تظاهرات مطلبية طوال الشهر الماضي.

من الشعارات التي رفعت على بسطات السوق (الجزيرة نت)

وهذا الوجه الذي انضم حديثا إلى لائحة الخلافات هو الوجه الطبقي بعدما اختبأ سنوات وراء خطابات خدمة الشعب وتأمين فرص العمل للشباب.

وقد أظهره إلى العلن خطاب لرئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس في مؤتمر للهيئات الاقتصادية بعنوان "نداء الرمق الأخير لإنقاذ قلب بيروت" عندما قال إنه من غير المسموح تحويل وسط المدينة إلى "سوق أبو رخوصة".

محاولة شماس توضيح ما جنته عليه "زلة لسانه" في بيان لاحق لم تقنع أولئك الذين شاركوا في نشاط اليوم، فنال رئيس جمعية تجار بيروت نصيبه من التهكم بشعارات رفعت بينها واحدة بجانب أحذية مستعملة كتب عليها "5 شماس بألف ليرة".

وبدا الحراك موجها ضد "طبقية شماس" بالدرجة الأولى وضد الهيئات الاقتصادية التي ينظر إليها على أنها المسيطر على ثروات البلد.

وقال خضر سلامة، وهو أحد الناشطين، إن تحرك اليوم هو محاولة لاستعادة بيروت الحقيقية التي حدثنا عنها أهلنا كيف جمعت كل شرائح المجتمع في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

شعارات احتجاج ضد الساسة كانت بين المعروضات في السوق (الجزيرة نت)

وأضاف للجزيرة نت أن تصريح نقولا شماس الأخير رسخ هذه القناعة بعدما أهان المتظاهرين والناشطين وأهالي بيروت، وهو ما عزز ضرورة أن تصبح بيروت لكل الناس وليس فقط للسياح والطبقات الميسورة.

وأردف أن "أي مدينة لا يكون وسطها لكل الناس تموت وبيروت لا يجب أن تموت".

بيروت القديمة
أحد الزائرين وهو ستيني خبر بيروت قبل الحرب الأهلية روى للجزيرة نت كيف كان وسط بيروت في شبابه أو ساحة البرج كما كان يطلق عليه حينها، حيث كان يستطيع الجلوس إلى نفس المقهى الذي يجلس فيه وزراء ونواب وزعماء أحيانا.

ويقول إنه كان بإمكان الفقير حينها أن يشتري "منقوشة" بليرة أو أكثر قليلا، وكان الفقراء ينزلون إلى ساحة البرج كما الأغنياء، أما اليوم فبات وسط العاصمة "مُصادرا ومخصصا للأغنياء فقط يتنعمون بمال الفقراء".

بدورها تقول رانيا، وهي سيدة أربعينية، إنه لا بد أن يكون وسط مدينة بيروت مثل وسط المدينة في أي مكان في العالم حيث باستطاعة الفقير والغني والمتوسط أن يجد ما يسعى إليه، بدل أن يكون حكرا على طبقة معينة كما هو ظاهر اليوم.

وأضافت للجزيرة نت أن وسط المدينة بات مصدر إزعاج لها ولم يعد يعني لها شيئا، مبدية أسفها لأن المسرح الكبير الذي غدا اليوم مبنى مدمرا لا يجري الاهتمام به، وآملة أن يجري ترميمه وألا تنساه الناس كما نسوا كل شيء.

المصدر : الجزيرة