غالب درويش، الفلسطيني ذو الـ67 عاما، له معاناة طويلة مع رصاص الاحتلال تمتزج بمعاناة الأقصى المبارك على طريق التحرير. فتلك الرصاصات التي اخترقت جسمه بثلاث محطات لم تثنه عن الدفاع عن ثالث الحرمين الشريفين لأن روحه رخيصة أمام قدسية الأقصى.

أسيل جندي-القدس المحتلة

يحرص المسن الفلسطيني غالب درويش (67 عاما) على أرشفة فصول سنوات 1988، 1996، 2015 باعتبارها فصولا مؤلمة في ذاكرته، فلكل عام قصة انتهاك للمسجد الأقصى المبارك، انتهت بإصابته في كل مرة.

أحدث الإصابات التي تعرض لها درويش كانت قبل أيام أثناء الاقتحام العنيف الذي تعرض له المسجد الأقصى على يد قوات الاحتلال مع بداية موسم الأعياد اليهودية.

يقول الشيخ الفلسطيني "صليتُ الفجر بالمصلى القبلي وانتظرت لأصلي الضحى، غفوت لدقائق لأستيقظ على اقتحام القوات الخاصة للمصلى، لقد كنت برفقة عدد من المسنين في مسجد عمر بعيدا عن الأبواب الرئيسية للمصلى".

قنص متتالٍ
يضيف درويش "قوات الاحتلال أحدثت فتحة في سقف المصلى في المكان الذي كنا نوجد به، وتمركز هناك قناص تعمّد إيذائي دون سائر المسنين، فأطلق أول رصاصة على كتفي بينما كنت أحاول فتح الباب للخروج من المكان".

ويتابع "حاولت الهروب لغرفة أخرى داخل المصلى القبلي لكنه سارع وأطلق الرصاصة الثانية على بطني، وبعدها مباشرة أطلق الرصاصة الثالثة نحو عيني، ولو بقيت في مكاني لثوان أخرى لاستمر باستهدافي".

 لقد قام الشبان بنقل الشيخ المصاب لغرفة الإسعاف الموجودة داخل الأقصى، لكن قوات الاحتلال كانت قد أفرغتها تماما من كافة محتوياتها.

يقول درويش "نقلوني من باب الأسباط بسيارة الإسعاف لمستشفى العيون، وهناك تقرر تحويلي لمستشفى إسرائيلي لأنني بحاجة للعلاج بقسمي الباطني والعيون".

وكانت نتيجة الاستهداف الأخير للشيخ المسن تجمع الدم في كل من الكبد والعين اليمنى وضررا كبيرا في الجفن اضطر الأطباء لمعالجته بأكثر من عشر غرز، بالإضافة لفقدانه التوازن، إذ أصبح غير قادر على المشي إلا بمساندة أحد أفراد أسرته.

صور أرشيفية توثق إصابات غالب درويش بالأقصى المبارك عامي 1988 و1996 (الجزيرة نت)

ذاكرة الإصابات
يحكي المسن غالب درويش أن الإصابة الأولى التي تعرض لها تعود للانتفاضة الأولى بتاريخ 11-01-1988، إذ باغتت قوات الاحتلال المصلين بعد صلاة الجمعة باقتحامها للمسجد الأقصى. لقد "كنا نعيد إلقاء القنابل التي يستخدمها الجنود باتجاههم" وبسبب كثافة الغاز المدمع "دخلت للمصلى القبلي، عندها أقدم أحد أفراد الشرطة وشرع بضربي بالهراوة على رأسي" يشرح درويش.

وبعد ثماني سنوات، كانت الإصابة الثانية في أكتوبر/تشرين الأول 1996، حيث يستذكر الشيخ تلك اللحظات قائلا "عندما وقعت المواجهات داخل الأقصى كنا نجلس على إحدى المصاطب قرب باب الرحمة، وفجأة أطلق أحد الجنود رصاصة حية على رأسي وانهال عدد منهم فورا بالضرب المبرح على ظهري وبطني".

ويؤكد المسن غالب درويش أن الاقتحام الأخير للأقصى هو أعنف ما شاهده طوال حياته، إذ "لا يفرق الاحتلال الآن بين مسن وامرأة وشاب، فالجميع في دائرة الاستهداف".

ويضيف الشيخ الستيني "كان الجنود بالسابق يلتزمون بإطلاق النار وبالضرب على الجزء السفلي من الجسم، لكنهم الآن يركزون فقط على الجزء العلوي وخاصة الرأس والعينين بهدف إحداث إصابات بالغة".

عقيدة وفداء
وعمّا إذا كان ما تعرض له قد يثنيه عن الذهاب للأقصى، يقول الشيخ المقدسي "ما أصابني ويصيبني يزيدني تمسكا بالأقصى لأنه عقيدة، أفديه بروحي لأنها رخيصة أمام قدسيته".

ويضيف للجزيرة نت "يحاول الاحتلال فرض أمر واقع على الأقصى من خلال التقسيم الزماني والمكاني، وهذا شيء مدبر وليس وليد اللحظة، لكنه بعيد المنال، فما دام بالقدس مسلم موحد لن يتمكنوا من تحقيق أطماعهم".

ويستطرد الشيخ المسن "الدعاية التي تحاول إسرائيل الترويج لها بأن الأقصى سيهدم وسيقام مكانه الهيكل المزعوم عارية عن الصحة".

درويش الذي ولد ببلدة العيسوية بالقدس المحتلة عام 1948، وبدأ مشوار الرباط بالأقصى بعد تحرره من سجون الاحتلال عام 1985، ستلتئم جروحه بعد إصابته الأخيرة، وسيتوجه للمسجد المبارك مجددا مع إشراقة صباح قادم، وسيبقى يصل فصول حياته اليومية المليئة بأنين وصرخات المسجد الأقصى المبارك، حتى يأتي ذلك اليوم الذي يبزغ فيه فجر الحرية.

المصدر : الجزيرة