يؤكد أحد أصحاب دور النشر بسوق درب الأتراك بالقاهرة أن الملاحقات الأمنية تشمل كل من تسول له نفسه نشر أو بيع كتب مفكري وعلماء الحركات الإسلامية، حيث لا يتوقف الأمر عند تغريم المكتبات، بل وصل إلى إغلاق ومصادرة بعضها.

رمضان عبد الله-القاهرة

يعاني درب الأتراك بمنطقة الأزهر في القاهرة، أكبر أسواق التراث والفكر الإسلامي بمصر، حالة ركود غير مسبوقة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية الذي ترك أثرا في كثير من القطاعات، فضلا عن التضييق الأمني على بيع مؤلفات بعض المؤلفين، وفي مقدمتهم سيد قطب وحسن البنا ويوسف القرضاوي

وقديما كان درب الأتراك يعج بالكتاتيب التي خصصت لتعليم الوافدين من الأتراك خلال فترة حكم المماليك لمصر، ثم تحولت هذه الكتاتيب تدريجيا إلى مكتبات شهيرة لبيع الكتب الشرعية لطلاب جامعة الأزهر، وأبرزها أعلام السلف والتقوى والحجاز وابن تيمية وهجر. 

ومع مرور الزمن، اتجهت هذه المكتبات لنشر كتب التراث والفكر الإسلامي، لتتحول المنطقة -التي هي جزء من منطقة الباطنية المشهورة شعبيا ببيع المخدرات- لأشهر أسواق نشر وتوزيع الكتب الإسلامية.

واعتاد الباحثون عن نوادر كتب التراث ارتياد هذا السوق حتى فترة قريبة، غير أن تغير الأوضاع وسطوة عناصر الأمن، جعلت كثيرين يترددون في السؤال عن مؤلفات بعينها، كما دفعت أصحاب المكتبات للتوقف عن بيع المؤلفات التي تسبب لهم المشاكل، وفق كثيرين.

أحد جوانب سوق الكتب في درب الأتراك (الجزيرة)

تغريم وإغلاق
وخلال جولة للجزيرة نت في السوق، أكد متحدثون أن الملاحقات الأمنية لعبت دورا كبيرا في تراجع بيع الكتب بهذا السوق، فهي تشمل كل من تسول له نفسه نشر أو بيع أي كتب لمفكري وعلماء الحركات الإسلامية من أمثال البنا وقطب والقرضاوي، إضافة إلى رفاعي سرور وعبد الرحمن البر ووجدي غنيم، وفق أحمد أبو ريا الذي يملك دار نشر.

وقال أبو ريا للجزيرة نت إن المكتبات غير المختصة بنشر كتب المفكرين والعلماء "لا تسلم من تعنت شرطة المصنفات".

وأضاف "في السابق كنا نوزع آلاف النسخ، أما الآن فقد توقف البيع تقريبا، فالدولة تشن حربا على الكتاب الإسلامي، وتتخذ من قضايا المصنفات، التي تغرم المكتبات حتى في حال عدم وجود مخالفات، وسيلة لإغلاقها". 

أما سامي حسان، أحد الحمالين بالسوق، فقال للجزيرة نت إن الشوارع شبه خالية من الرواد بشكل دائم، كما أنها "تغص بالمخبرين السريين الذين ما إن يدخلوا السوق حتى تغلق المكتبات أبوابها خوفا من تلفيق القضايا".

ولم تتوقف الملاحقات الأمنية عند تغريم المكتبات، بل وصلت إلى التحفظ على بعض المكتبات وإغلاقها بحجة انتماء أصحابها لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما حدث مع دار "اقرأ" التي استولت عليها لجنة حصر أموال جماعة الإخوان، وذلك وفق رواية حسن محمد أحد العاملين بالدار. 

درب الأتراك يقع في منطقة الباطنية بالقاهرة (الجزيرة)

عقلية قمعية
وقال أحد رواد السوق ويدعى محمد العوضي إن دخول درب الأتراك محفوف بالمخاطر، "فهناك آذان مصغية وعيون مترقبة، والجميع يسعى للوقوف على نوعية الكتب المراد شراؤها، وهذا في حد ذاته يبعث على عدم السؤال عن مؤلفات كثيرة".

ومن جهته، اعتبر أستاذ النقد الأدبي الدكتور حسام عقل أنه "لا طائل من هذا التضييق العبثي"، مؤكدا للجزيرة نت أن الأمن لا يمكنه منع نشر الكتب التي لا ترغب الدولة في تداولها، فهي متاحة على شبكة الإنترنت، كما أن منع كتب بعينها يزيد عدد الباحثين عنها. 

وأوضح عقل أن "العقلية القمعية" لدى الحكام ترى في كتب التراث عدوا لها، خوفا من انتشار أفكار تدفع الشعوب إلى مقاومة الظلم.

وأورد عقل بعض الأمثلة، مثل حرق بعض مديري المدارس كتبا تراثية، ومصادرة الدولة كتب سيد قطب والقرضاوي في معرض الكتاب الذي عقد في يناير/كانون الثاني الماضي، وكذلك حرق وزارة الأوقاف مؤلفات كانت ضمن محتويات مكتبات المساجد.

المصدر : الجزيرة