لم يترك الشباب العراقي مناطقه عن ملالة، فما زالوا يشعرون بالود الصادق تجاه بغداد وغيرها من المحافظات. لكن تدهور الأوضاع الأمنية واتساع الفقر وتفشي الفساد عوامل جعلتهم يركبون خطر الموج بحثا عن مستقبل لا أفق له لو بقوا في ديارهم.

أحمد الأنباري-بغداد

فجأة كتب ذو الفقار في صفحته بموقع التواصل فيسبوك منشورا يلقي فيه التحية على أصدقائه، معلنا عن مغادرته العراق إلى تركيا ومن ثم اليونان نحو إحدى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى لعله يجد فرصة للعيش هناك.

وعلي واحد من آلاف الشباب الذين غادروا  العراق أو ينوون مغادرته بعدما شعروا بيأس تجاه الأوضاع التي يعيشها وطنهم، واستمرار الطبقة السياسية نفسها التي تحكم البلاد منذ 12 عاما، "لذا وضعوا حياتهم تحت رحمة أمواج البحر".

ويقول الشاب الذي غادر البلاد قبل أسبوعين ويتواجد حاليا في صربيا محاولا الوصول إلى النمسا إن "الأوضاع في العراق أجبرتني على البحث عن حياة جديدة، بعيدا عن القتل والدمار وانعدام الخدمات وعدم توفر فرص العمل، هذه الأسباب وغيرها دفعتني للسفر إلى الخارج".

ويضيف "كنت في أوروبا قبل أشهر في زيارة شبه رسمية، ولم أفكر حينها في البقاء وطلب اللجوء لأني توقعت تحسن الأوضاع في البلاد، لكن توقعي لم يكن في محله، فكل شيء ازداد سوءا، ولا يمكن البقاء في بلاد ساستها لا يُفكرون إلا بمصالحهم الشخصية".

وقد بات الطريق نحو أوروبا أسهل للشباب العراقي ولا يحتاج سوى 2000 دولار أميركي 500 منها تذكرة سفر من بغداد إلى إسطنبول، و1200 أجرة النقل من أزمير التركية إلى سواحل اليونان عبر زورق صغير.

بعض المهاجرين العراقيين وصلوا لبلغاريا في رحلتهم الطويلة نحو الدول الأوروبية (الجزيرة نت)

ويتجلى من خلال صفحات المهاجرين على فيسبوك أن أغلبهم من مناطق الوسط والجنوب، كما يتضح ذلك أيضا من الحديث في الشارع العراقي.

ولكن الحال ليس أفضل في الشمال والغرب حيث سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على عدة مناطق ونزح أغلب سكانها.

ولا توجد حتى الآن أي إحصائيات بشأن أعداد الشباب الذين يغادرون العراق إلى أوروبا، لكن يبدو أنها ليست قليلة، حيث يبلغ العدد اليومي 500 شاب، وفق بعض التقديرات.

أم محمد التي غادر زوجها قبل أسبوعين إلى تركيا تأمل أن تكون للعراقيين حياة أخرى يعيشون فيها بسلام وأمان. وتتمنى أن يصل زوجها المتواجد حاليا في اليونان إلى دولة أوروبية أخرى لتنضم هي وأطفالها إليه في وقت لاحق.

وروت للجزيرة نت كيف واجه زوجها صعوبات وهو يحاول الوصول من تركيا إلى اليونان عبر البحر. وتقول إنه تعرض لخطر الغرق بعد تعطل الزورق الذي كان يقله في عرض البحر.

الظروف أجبرت العراقيين على تحمّل مكاره اللجوء في اليونان (الجزيرة نت)

وقالت إن الخطر الذي تعرض له زوجها يكفي "ليعرف العالم في أي وضع نعيش نحن لنجازف بحياتنا بهذا الشكل العجيب".

وتنتظر أم محمد التي تسكن منطقة حي الإسكان في بغداد دعوة زوجها لها ولأطفالها ضمن آلية "لم الشمل".

ولاقت ظاهرة الهجرة الشبابية من العراق في الفترة الأخيرة رفضا من قبل سياسيين ورجال دين، اتهموا دول الاتحاد الأوروبي بـ"التخطيط لإفراغ العراق من شبابه". لكن الشباب العراقي سخر من هذه التبريرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويرى الباحث الاجتماعي علي طاهر الحمود أن هناك عدة أسباب لهجرة الشباب العراقي، منها الأوضاع التي يعيشها البلد من الناحية الأمنية والاقتصادية فضلا عن ضبابية المستقبل.

ويقول للجزيرة نت إن أغلب المهاجرين هم من فئة الشباب، وهجرتهم في ظل الأوضاع التي يعيشها العراق الآن مبررة. ويرى أن الحديث عن وجود مؤامرة من قبل دول أوروبا لإفراغ العراق من شبابه أمر غير مقنع، لأن المنظومة السياسية وبعض رجال الدين هم جزء من المشكلة التي دفعت هؤلاء لمغادرة البلاد، حسب تقديره.

المصدر : الجزيرة