بعد أن كانت من أهم إنجازات الدول الأوروبية، تحولت اتفاقية شنغن إلى صداع يزعج المسؤولين والمواطنين. وبالرغم من انعكاس الاتفاقية إيجابا على الاقتصاد، فإنها باتت مرشحة للانهيار بفعل التلاوم على التقصير في ضبط الحدود وعدم الاستجابة لأزمة المهاجرين.

لبيب فهمي-بروكسل

حذر ممثل الأمم المتحدة الخاص للهجرة والتنمية بيتر ساذرلاند من انهيار نظام "شنغن" إذا أخفق الاتحاد الأوروبي في الرد بشكل موحد على أزمة اللاجئين الحالية.

وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد أكدت أن منطقة شنغن ستكون موضع شك إذا كان الاتحاد الأوروبي غير قادر على الاتفاق على توزيع عادل للاجئين.

وسيتم عقد اجتماع لوزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي غدا الاثنين، في محاولة لإيجاد حلول لملف الهجرة واللجوء على المستوى الأوروبي.

واتفاقية شنغن المبرمة بين 26 دولة -بينها 22 عضوا في الاتحاد الأوروبي- تسمح للأشخاص بالتحرك بحرية داخل حدود هذه الدول. ونظرا لإزالة الحدود فإن الأجنبي الذي يدخل إحدى دول هذه المنطقة بإمكانه الانتقال إلى دولة أخرى دون تأشيرة دخول، لذا باتت الاتفاقية تواجه انتقادات بشكل متواصل.

وتقول الخبيرة في الشؤون الأوروبية لارا مالفيسي، إن الانتقادات أصبحت أكثر حدة من ذي قبل في أعقاب الهجوم الذي شهده أحد القطارات السريعة الفرنسية في أغسطس/آب الماضي. ثم عادت الانتقادات مرة أخرى مع مأساة المهاجرين لتعيد الملف إلى الواجهة في انتظار اتخاذ إجراءات مسرعة لطمأنة المواطنين.

وشددت مالفيسي على أن للمجال المفتوح إيجابيات كثيرة، خاصة على المستوى الاقتصادي، لكنها تساءلت: هل يستطيع المسؤولون الأوروبيون إيصال هذه الفكرة للمواطنين؟ وقالت إن سكوت السياسيين عن هذه الحقيقة مخيف.

مسؤولو أوروبا احتفلوا في لوكسمبورغ في يونيو/حزيران الماضي بمرور ثلاثين عاما على نظام شنغن (الجزيرة نت)

ومؤخرا، شددت النمسا الرقابة على حدودها الشرقية مباشرة بعد اكتشاف 71 قتيلا في شاحنة قادمة من المجر. وحتى بريطانيا التي لم توقع على الاتفاقية، انتقدت مرة أخرى إزالة الرقابة على الحدود، معتبرة أنها السبب في تفاقم الأزمة الحالية.

ووفق خبراء، فإن العواصم الأوروبية تأخذ التهديدات على محمل الجد. وبحسب لارا مالفيسي "فالملف سيخيم بالتأكيد على الاجتماع الطارئ لوزراء الداخلية الأوروبيين يوم غد". وستسعى لوكسمبورغ -التي ترأس الاتحاد الأوروبي حاليا- إلى إيجاد موقف موحد.

وبالنسبة للمفوضية الأوروبية، فإنه لا يمكن انتهاك المبدأ الأساسي المتعلق بحرية تنقل الأشخاص، "حتى لو كانت تدرك أنه يمكن إجراء بعض التعديلات على النظام".

وبحسب المتحدثة باسم المفوضية ناتاشا بيرتود، فإن اتفاقية شنغن -التي احتفلت هذا العام بمرور ثلاثين عاما على دخولها حيز التطبيق- "من أعظم إنجازات الاتحاد الأوروبي". وتقول "لقد تم تنقيح قانون نظام شنغن في مرات عديدة ولا يمكن استبعاد مزيد من التغييرات الضرورية".

برلمانيو أوروبا طالبوا دولهم بالتعامل بإنسانية مع طالبي اللجوء (الجزيرة نت)

وقد تم تعليق العمل بالاتفاقية في فرنسا بعد التهديدات الإرهابية عام 1995 وكذلك بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، وفي ألمانيا خلال نهائيات كأس العالم 2006.

وبعد تفاقم أزمة اللاجئين في 2013، تم اعتماد مقترحات جديدة تخص توسيع إمكانية إعادة تطبيق مراقبة مؤقتة على الحدود في حال فشل إحدى الدول الأعضاء في السيطرة على الحدود الخارجية.

وفي حديث للجزيرة نت، قالت الخبيرة بالشأن الأوروبي ماريا تيخيرو "لقد رافق إلغاء الحدود الداخلية منذ البداية تعزيز الحدود الخارجية من خلال سلسلة من الإجراءات، كتطوير التعاون القضائي والأمني مع إنشاء هيئة عامة للاستعلامات".

ونبهت إلى أن نظام حرية التنقل لا يستفيد منه الأشخاص فقط بل يعزز الاقتصاد الأوروبي، مما يرجح صعوبة التراجع عن اتفاقية شنغن.

ويبدو المواطن الأوروبي مترددا بشأن كيفية التعامل مع هذا الملف. فالعديد من الذين التقت بهم الجزيرة نت يشددون على إيجابيات هذا النظام الذي يسمح لهم بالتنقل بحرية، ولكنهم لا يخفون أنهم يشعرون بنوع من الخوف لعدم وجود مراقبة مستمرة على الحدود.

المصدر : الجزيرة