يختلف الجزائريون في موقفهم من الفريق مدين، فمنهم من يعتبره "منقذ الجمهورية" من التيار "الأصولي"، وآخرون يرونه "مجرم حرب" تجب محاكمته. لكنهم يتفقون على أنه أسطورة تم "نسفها" بإحالته للتقاعد.

هشام موفق-الجزائر

أكد بيان لرئيس جمهورية الجزائر عبد العزيز بوتفليقة ما أوردته وسائل إعلام محلية عن إحالة رئيس دائرة الاستعلامات والأمن (جهاز المخابرات) الفريق محمد مدين (الجنرال توفيق) على التقاعد، ليضع حدا لأسطورة الرجل الذي يعتبره كثيرون الأقوى في البلاد.

وإلى وقت قريب، كان الجنرال توفيق يلقب بـ"رب الجزائر" لترؤسه جهازا يخترق كل المؤسسات المدنية والعسكرية، حيث كان يعمل تحت إمرته آلاف عناصر الاستخبارات ذوي التكوين العالي نظريا وتطبيقيا.

وتعرف الجزائر منذ سبتمبر/أيلول 2013 تغييرات كثيرة شملت ضباطا كبارا بالجيش، وخاصة المخابرات. وعلى الرغم من إقالة الصف الأول من المسؤولين دون أن تذكر أسماؤهم، فإن رئاسة الجمهورية خصت حادثة إقالة الجنرال توفيق ببيان، في وقت تكفلت وزارة الدفاع بإصدار بيان تنصيب خليفته اللواء بشير طرطاق.

ويعتبر الجنرال توفيق (76 عاما) بمثابة أسطورة في الجزائر، فقلة من الناس تعرف مساره الحقيقي، وليست له أي صورة رسمية ما عدا صورتين تم تسريبهما في مواقع التواصل الاجتماعي.

وينحدر الفريق مدين من إحدى قرى دائرة قنزات بالقبائل الصغرى (أمازيغ) شمال ولاية سطيف (شرق)، لكنه ترعرع في حي "سانت أوجان" بالعاصمة الجزائر.

وعند اندلاع الثورة التحريرية عام 1954 كان يشتغل ميكانيكيا بإحدى البواخر التجارية، ثم تجند في تونس عام 1958، وتم إلحاقه خلال الثورة بمصلحة التنصت في وزارة التسليح والعلاقات العامة التي تعتبر نواة المخابرات الجزائرية بعد الاستقلال.

وتم تكوين من بات يعرف بـ"سي توفيق" كعامل لاسلكي، قبل أن يستفيد من دورة متخصصة لدى المخابرات الروسية بعد الاستقلال.

بوتفليقة يعلن اسم مدين في بيان الإقالة مع أنه لم يذكر أسماء المقالين في موجة تغييرات مستمرة منذ سنتين (الجزيرة)

الصعود
ولم يكن الجنرال توفيق ذا مستوى دراسي عال كأغلب أقرانه في تلك الفترة، لكنه استطاع أن يتدرّج في المسؤوليات داخل المخابرات العسكرية حتى وصل إلى المدير الجهوي للأمن العسكري بمنطقة وهران (غرب)، حيث كان مسؤول تلك الناحية الشاذلي بن جديد، الذي صار رئيسا للبلاد بعدها (1979 -1992).

وفي ثمانينيات القرن الماضي، تطورت العلاقة بين الرجلين، وكذلك مع رجل ثالث هو أكثر المسؤولين نفوذا وقتها ويدعى العربي بلخير (وزير الداخلية ومدير ديوان الرئاسة الملقب بصانع الرؤساء).

وسمحت هذه العلاقة لمدين بترؤس أكثر المديريات حساسية أثناء حكم الشاذلي، كأمن الجيش والأمن الرئاسي. لكن الخلافات مع مسؤول المخابرات العسكرية حينها لكحل عياط جعلت الأخير يعينه ملحقا عسكريا في ليبيا، بينما كانت الأزمة الاقتصادية تعصف بالبلاد، حيث كان المعسكر الاشتراكي الحليف للجزائر يعيش آخر أيامه.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1988، اندلعت بالبلاد موجة احتجاجات عنيفة، سقط خلالها قتلى وجرحى، ونتج عنها دستور أقر بالانفتاح السياسي والإعلامي والنقابي.

ولم تسلم المؤسسة الأمنية من التغييرات بداية التسعينيات، فاندمج جهازا الأمن العسكري والوقاية والأمن في دائرة الاستعلام والأمن، ونُصّب على رأسها العميد توفيق، الذي أصبح فريقا بعدها، وهي أعلى رتبة في الجيش.

الهجوم المسلح على منشأة تيقنتورين للغاز ساعد على استرجاع قيادة الأركان نفوذها وتقليص دور المخابرات (رويترز)

تغوّل
وبعد موجة العنف الناتجة عن توقف المسار الانتخابي عام 1992، تضخم دور الجهاز فيما بات يطلق عليه مؤيدو التوقيف بـ"إنقاذ الجمهورية".

وطوال عشر سنوات، حققت المخابرات تحت قيادة توفيق نجاحات كثيرة في القضاء على "إرهابيين"، وتغلغلت في المقابل في أجهزة الدولة، كما يُتهم عناصرها بارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية خلال الحرب الأهلية.

ورغم الضغط الذي عاشه مسؤولون أمنيون من جمعيات حقوقية دولية بداية الألفية الجديدة، فإن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في نيويورك جعلتهم يتنفسون، بعدما "اقتنع" العالم الغربي بالمقاربة الأمنية للسلطة تجاه الإسلاميين.

وبقي الجنرال توفيق صاحب اليد الطولى في التعيينات والعزل حتى الولاية الثالثة للرئيس بوتفليقة. لكن هذا الدور تقلص تدريجيا بموازاة استرجاع قيادة الأركان نفوذها منذ العام 2010، وتعزز ذلك بعد حادثة الهجوم على منشأة تيقنتورين للغاز في عين أميناس بداية عام 2013.

ويختلف الجزائريون في موقفهم من الفريق مدين، فمنهم من يعتبره "منقذ الجمهورية" من التيار "الأصولي"، وآخرون يرونه "مجرم حرب" تجب محاكمته. لكنهم يتفقون على أنه أسطورة تم "نسفها" بإقالته.

المصدر : الجزيرة