أسلم الفلسطيني هاني جلبوط نفسه للمهربين كي ينقلوه إلى السواحل الإيطالية. وفي عرض البحر أمضى مع عشرات الأسر عشرة أيام عصيبة، دون ماء أو طعام، إلى أن عثرت عليهم البحرية الإيطالية. تاليا شهادته عن رحلة العذاب بين اليرموك والسويد.

هاني جلبوط

أصبح أهالي مخيم اليرموك (للاجئين الفلسطينيين) وسط خضم الأحداث دون أي ذنب اقترفوه، ولم يكن بيننا من يحمل السلاح، إلا بعض المنتمين إلى التنظيمات الفلسطينية (وهم قلة).

 

اشتد الظلام من حولنا بعد قطع الماء والكهرباء ووسائل الاتصالات. في 17 ديسمبر/كانون الأول 2012 قررنا الرحيل مثل الآخرين دون أن نحمل معنا أي ملابس، أنا وأفراد أسرتي.

التجأت إلى فندق السلطان في وسط دمشق لأنام مع أفراد أسرتي في غرفة واحدة عوضا عن البيت الذي كنا نقيم فيه. كان همي هو مستقبل أبنائي وكيف أخرجهم من هذه المحنة وهم على أبواب التجنيد الإجباري.

مكثت لمدة شهر في الفندق أراقب أوضاع المخيم الذي بدا المشهد فيه عسيرا. وصلت تكاليف الغرفة لمدة شهر ما بين طعام وإيجار -وسط جشع تجار الشام والغلاء المعيشي- إلى 150 ألف ليرة شهريا (نحو ألفي دولار أميركي).

"
هذا يقول: رحلة خمس نجوم بخمسة آلاف دولار، وآخر يقول: بأربعة آلاف. اتفقت مع أحدهم على 3200 دولار
"

ربما تكون اللاذقية المدينة التي درس بها أبنائي أكثر أمنا، فما علينا إلا الرحيل، وسط مخاطر الطريق ومفاجآت المسلحين على الطرقات.

وصلت. استأجرت بيتا في حي الأوقاف بمبلغ أربعين ألف ليرة سورية شهريا (نحو خمسمائة دولار). استمر الحال لأكثر من سبعة أشهر، وبدأ رصيدي بالنفاد ولا حل في القريب، فضلا عن مضايقات الحواجز في شوارع اللاذقية لأبنائي.

اتخذت قرارا حاسما ونهائيا ومؤلما. اصطحبت ابنتي المتزوجة من شاب فلسطيني من غزة -والذي تركته وأبناءه الثلاثة برعاية الأهل في دمشق- قاصدا مطار دمشق.

بالمقهى المجاور
في مطار القاهرة، كان همي أن أستقل سيارة إلى الإسكندرية. وما أن حل بي المطاف في إحدى الشقق هناك، حتى بدأ تجار الموت والمهربون يتوافدون على المقهى المجاور.

هذا يقول: رحلة خمس نجوم بخمسة آلاف دولار، وآخر يقول بأربعة آلاف. اتفقت مع أحدهم على 3200 دولار.

بعد يومين ومع حلول الظلام، حضر المهرب ليصطحبنا ومجموعة أشخاص إلى منطقة مهجورة على شواطئ الإسكندرية، حيث تجمع أكثر من أربعين شخصا. في تلك الليلة حضر مركب لا يتسع لأكثر من عشرة أشخاص، فركبنا على عجل كالأغنام.

حقائبنا بقيت على الشاطئ بحجة أن المركب لا يتسع وسوف تتبعنا بمركب آخر.

 
هاني جلبوط في مستشفى كالمر الذي عولج فيه جراء جفاف الأمعاء وتعطل عمل المعدة (الجزيرة)

تحرك المركب المثقل وسط الظلام وكشافات خفر السواحل المصرية لمدة ساعة، ثم توقف كليا، لكن أنوار مدينة الإسكندرية ما زالت ترى من بعيد.

عند سؤالي عن السبب، أخبِرت بأن مركبا آخر سيأتي ليصطحبنا إلى آخر الرحلة. استسلم الجميع للقرار الصادر عن ثلاثة أشخاص مصريي الجنسية في قمرة القيادة.

محشورون كالسردين
بعد ساعات وقرب طلوع الفجر، حضر مركب آخر يحمل مجموعة عائلات. كالسمك في علبة سردين حشرنا داخل هذا المركب المثقل في عرض البحر، ثم انقطع بذلك آخر مشهد لليابسة.

تحرك المركب ببطء، مع قليل من حبات البطاطا وبعض الماء توزع على الركاب. تساءل الجميع أين حقائبنا؟ فلم يأتهم جواب.

صرخ رجل سبعيني ترافقه ابنته العشرينية أين حقيبتي؟ أرجوكم ساعدوني ابنتي مصابة بالسكري ودواؤها موجود في الحقيبة التي أنتظر قدومها.

وسط ذهول الركاب وحيرتهم وقلة حيلتهم، بدأت الفتاة تصرخ وتلفظ أنفاسها الأخيرة أمام الجميع. فارقت الحياة دون أن يستطيع أحد أن يقدم لها يد العون

"
وسط ذهول الركاب وحيرتهم وقلة حيلتهم، بدأت الفتاة تصرخ وتلفظ أنفاسها الأخيرة أمام الجميع. فارقت الحياة دون أن يستطيع أحد أن يقدم لها يد العون
"

صمت.. تبعه توقف محرك السفينة. كسرت إحدى السيدات الصمت وبدأت بالتسبيح والتكبير.

قام بعض الشباب بتكفين الفتاة بمعطف كانت تضعه على جسدها ونقلها إلى مقدمة السفينة، وصرخات والدها تعلو وهو يجهش بالبكاء صارخا "الله لا يسامحكم.. سرقتوا دوا بنتي، قتلتوا بنتي". بكيت وبكى الجميع وسط هذا الظلام. رحماك ربي ماذا جرى.

إنه اليوم الخامس في عرض البحر ولا حراك، نفد مخزون الماء والطعام، انقطع الاتصال من جوال الثريا الذي كان يحمله قائد المركب. ارتدى البعض سترات النجاة.

أفتى البعض برمي الفتاة في البحر لأن وجودها بيننا قد يسبب الأمراض، التجأ البعض إلى كتاب الله... ولا خيار أو قرار.

أفراد قيادة السفينة الثلاثة أشعلوا سجائر الحشيش -أو كما يسمونها "الكيف"- وسرحوا في عالمهم.
فجأة ظهر لنا مركب وسط الظلام لصيادين، وطلب منا أن ندفع مبلغ ألف دولار لكل شخص -عدا الذي دفعناه سابقا- لكي يوصلنا إلى الشواطئ الإيطالية.

رفض الجميع الدفع، وعندما يئس قائد مركب الصيد، قام باستعراض وسط الظلمة، وضرب مركبنا بقصد إغراقه وسط صراخ الركاب.

في هذا الخضم من الأمواج المتلاطمة، لاحت سفينة شحن عملاقة أخذنا نستغيث بها. ربما يكون لهذه السفينة دور في الاتصال بخفر السواحل الإيطالية الذي حضرت إحدى مروحياته بعد ساعة مستخدمة أنوار ساطعة لتحدد موقعنا.

ساعات لا ندري كيف عشناها وما المصير الذي ينتظرنا بعد اختفاء الطائرة، إلى أن حضرت في الصباح الباكر بارجة إيطالية يرافقها مركب تبين أنه مستشفى متنقل.

خاطبونا بالإنجليزية، وقاموا بنقل جثمان الفتاة إلى السفينة المرافقة، لنكتشف لأول مرة أن عددنا 405، كنا مكدسين على هذا المركب الصغير.

القبطان الإيطالي
ضرب الضابط الإيطالي رأسه عندما علم بالعدد، وصرخ قائلا: هل هذا العدد صحيح؟ نعم، إنهم تجار الموت.

بدأت القوات الإيطالية توزيع المياه وبعض السندويشات علينا، أما جسد الفتاة فتم نقله وبعض المرضى إلى السفينة المستشفى.

بعد ثلاثة أيام على متن البارجة، وصلنا إلى شواطئ لمبيدوزا الإيطالية.

لأول مرة أشعر بأن الأرض تدور ويدور كل من حولي عندما وصلنا اليابسة، الكل غير متوازن ولا يقدر على الوقوف.

حضرت الصحافة، وأعطي لكل منا رقم كما الأغنام والأبقار، وعلى عجل تم إحضار بعض الأطباء الذين يرتدون الأقنعة الواقية ليقوموا بفحصنا خوفا من انتشار الجراثيم.

ارتميت مع ابنتي وبعض العائلات في أرض مكان التجمع، لأصحو في صباح اليوم التالي.

وعلى عجل دخلت الحمام لأجد ماكينة حلاقة. قمت بحلاقة ذقني بالماء فقط لأنني لم أحلقها منذ عشرة أيام. أيقظت ابنتي على عجل قبل حضور الشرطة الإيطالية إلى المعسكر وهربت خارج الأسوار المحيطة بالتجمع، لأنني كنت أسمع أن الشرطة الإيطالية تأخذ بصمة الوافدين الجدد عنوة

"
قمت بحلاقة ذقني بالماء فقط لأنني لم أحلقها منذ عشرة أيام. أيقظت ابنتي على عجل قبل حضور الشرطة الإيطالية إلى المعسكر وهربت خارج الأسوار المحيطة بالتجمع، لأنني كنت أسمع أن الشرطة الإيطالية تأخذ بصمة الوافدين الجدد عنوة
"

استعنت بأحد الأشخاص المارة وقلت له: أرجوك، من أين الطريق إلى روما؟ قال: بعشرة يوروات.. وكان له ما أراد.

ركبت الحافلة مع بعض الأشخاص برفقتي متجهين إلى روما، ومن بعدها إلى مدينة ميلانو.

في صباح اليوم التالي ركبت القطار من ميلانو باتجاه كوبنهاغن في الدانمارك.

في إحدى المحطات على الأراضي السويسرية صعد رجلا شرطة، تقدم أحدهما نحوي وطلب التذكرة فقدمتها له، ثم طلب جواز السفر فدقق فيه، ثم ذهب ليطلب من سائق القطار التوقف في المحطة التالية.

هناك نزلت برفقة ابنتي ليصطحبنا إلى قسم الشرطة، وليبدأ التحقيق معي من أين أتيت وإلى أين أتجه؟ ولأخذ بصمة يدي اليسرى كبصمة جنائية، وليتحقق إذا كنت مطلوبا للعدالة.

وبعد تحقيق دام ساعتين، أعادوني إلى ميلانو لنبدأ رحلة من العذاب من جديد.

في اليوم التالي، اتصلت ببعض الأهل والأصدقاء لأحصل على ما تيسر من المال لإتمام الرحلة.

مكثت لمدة أسبوع أنتظر الحوالات المالية من الخارج وأنا ما بين أخذ ورد، بين مهرب وآخر، لعلي أجد السبيل إلى السويد.

عثرت على شاب اصطحبني وابنتي بواسطة الطائرة من ميلانو إلى كوبنهاغن، ومن ثم إلى مالمو المدينة السويدية الأولى.

أعطيته كل ما أملك من نقود، وسلمني إلى إدارة الهجرة في مدينة مالمو، ليبدأ التحقيق الأولي حول أسباب طلب اللجوء إلى هذا البلد ولأبدأ حياة جديدة.

من اليرموك إلى السويد
17 ديسمبر/كانون الأول 2012، الرحيل من مخيم اليرموك للإقامة في مدينة اللاذقية السورية بعد انتشار المسلحين وإساءة معاملتهم للسكان، وفرار معظم سكان المخيم جراء الحرب.

11 سبتمبر/أيلول 2013، مغادرة مطار دمشق الدولي إلى مصر كممر للوصول إلى أوروبا عبر سفن التهريب في البحرالمتوسط.

13 سبتمبر/أيلول 2013، مغادرة شاطئ الإسكندرية على قارب للمهربين.

23 سبتمبر/أيلول، الوصول إلى ميلانو بعد أيام من اكتشاف البحرية الإيطالية للقارب في عرض البحر.

30 سبتمبر/أيلول، الوصول إلى السويد من ميلانو بعد أيام من محاولة فاشلة بواسطة القطار، أجهضها حرس الحدود السويسري.

المصدر : الجزيرة