يستجدون المال باسم الشعب ثم يصرفونه على مشاريعهم الخاصة ودراسة أبنائهم وتذاكر سفرهم، إنهم مسؤولون فلسطينيون عرّتهم وثائق تم تسريبها مؤخرا إثر صراع داخل أجنحة السلطة الفلسطينية، بينما لا يزال القضاء يحجم عن فتح تحقيق في الموضوع.

عوض الرجوب-رام الله

سربت في الأسابيع الأخيرة مجموعة وثائق تعكس حجم الفساد المستشري في مؤسسات السلطة الفلسطينية، لكنها ظلت إلى حد كبير حبيسة شبكات التواصل الاجتماعي، لقناعة لدى المواطنين بأن نشرها جاء ضمن تصفية حسابات بين بعض المتنفذين.

ويؤكد خبير حقوقي أن نشر أي وثيقة فساد يستوجب فتح تحقيق من قبل هيئة مكافحة الفساد، بينما يرى صحفي تابع الوثائق المنشورة أن غياب قانون حق الحصول على المعلومة يحول دون تحقيق صحفي استقصائي في الوثائق المنشورة لتوضيح الحقيقة للرأي العام.

وتباينت مضامين الوثائق المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، فمنها ما يتضمن محاضر اجتماعات سياسية وأمنية، وبينها طلبات تمويل خارجي باسم الشعب الفلسطيني لصالح مشروع خاص، أو صرف مبالغ مالية لأبناء مسؤولين يدرسون في الجامعات أو تذاكر سفر، وحتى توسط لنافذين وتعيينات في سلك القضاء.

ويرى الرئيس التنفيذي للمركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة " إبراهيم البرغوثي أن الوثائق مؤشر على مظاهر الفساد في أداء المكلفين بالخدمة العامة وأصحاب القرار.

الوثائق تعكس حرص المسؤولين على استغلال النفوذ والمال العام لصالح أبنائهم (الجزيرة نت)

وأضاف أن بعض المخالفات قد تنطوي على جرائم فساد مثل الواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ، مبينا في حديث للجزيرة نت أن نشر هذه الوثائق بحد ذاته يشكل بلاغا عن جريمة فساد.

وقال إن النشر يلزم هيئة مكافحة الفساد بإجراء التحقيق وجمع الاستدلالات للتأكد من صحة صدور تلك الوثائق والكشف عن مرتكبيها أو المستفيدين منها، واتخاذ المقتضى القانوني الملائم في حال توفرت الأدلة الكافية التي تصلح أساسا لإحالة المتهمين إلى نيابة مكافحة الفساد ومن ثم إلى القضاء.

كما شدد الحقوقي الفلسطيني على أن مثل هذا النشر يشير إلى الحاجة الماسة لإعمال الحق في الوصول إلى المعلومة، وإلزام كافة دوائر السلطة بنشر المعلومات المتصلة بعملها الإداري والمالي وتمكين الجمهور من الاطلاع عليه، مما يشكل حماية موضوعية وتشريعية تقلل من مظاهر الفساد.

ووفق مصادر هيئة مكافحة الفساد، فإن القانون يلزمها بفتح تحقيق في أي قضية تنطوي على فساد تم تداولها في وسائل الإعلام.

وحسب القانون الفلسطيني، فإن الفساد هو "كل فعل يؤدي إلى المساس بالأموال العامة، وإساءة استعمال السلطة خلافا للقانون، وقبول الواسطة والمحسوبية التي تلغي حقا وتحق باطلا، والكسب غير المشروع".

بعض الوثائق المسربة موجهة بشكل مباشر للرئيس الفلسطيني محمود عباس (الجزيرة نت)

من جهته، يوضح الإعلامي والمحلل السياسي عمر نزال أن من حق الجمهور الفلسطيني الاطلاع على الوثائق التي نشرت وغيرها.

لكنه أرجع نشر الوثائق الأخيرة إلى صراعات داخلية بين أقطاب مختلفة في حركة فتح والسلطة الفلسطينية.

وأشار نزال إلى عدم انجرار الصحفيين الفلسطينيين إلى توظيف الوثائق كما أراد ناشروها، موضحا أنه باستثناء التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي، فإن الوثائق لم تأخذ حقها في المتابعة ولم توضع في إطارها الصحيح لكشف قضايا الفساد في السلطة.

وهنا يتحدث نزال -وهو عضو في نقابة الصحفيين- عن صعوبات كبيرة تواجه التحقيقات الصحفية الاستقصائية، وأبرزها غياب قانون يكفل الحق في الحصول على المعلومات.

أما عن دور هيئة مكافحة الفساد وتأثيرها في وضع حد لهذه الممارسات، فأوضح أن وجودها ضروري، مشيرا إلى أن القانون يلزمها بفتح تحقيق في أي قضية فساد تم تداولها في وسائل الإعلام.

لكنه يبدي تحفظه على أداء الهيئة منذ تأسيسها، مضيفا أنها لم تغير شيئا في الواقع، ولم تقم بالدور المنوط بها كما ينتظر الشارع الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة