أعادت أمطار الاثنين تذكير العاصمة الموريتانية بمعاناتها من قصور شبكة الصرف الصحي. ففي ظرف ساعات تكونت مستنقعات وبرك مياه آسنة لتملأ الشوارع وتحاصر المنازل وتعطل الحركة التجارية.

أحمد الأمين-نواكشوط

مستنقعات وبرك مياه آسنة تملأ الشوارع وتحاصر المنازل وتعطل الحركة التجارية.. مشاهد تحكم الحياة في نواكشوط، فتروي من جديد حكاية ألم تتكرر كل سنة، وتتجدد معها معاناة سكان هذه المدينة في كل موسم أمطار.

قصة المعاناة هذه أعادتها للواجهة أمطار الاثنين التي شلت الحركة في قلب العاصمة بعد أن حولت أهم شوارعها إلى مسابح، كما أثرت بشكل كبير على النشاط التجاري في اثنين من أكبر الأسواق (سوق العاصمة وسوق الميناء).

المياه حاصرت كذلك إدارات حكومية ومدارس ومرافق خدمية وصحية مثل مستشفى الأم والطفل بمقاطعة لقصر، لكن المعاناة الأكبر كانت من نصيب مقاطعتي الميناء والسبخة، حيث اضطر بعض السكان إلى هجر منازلهم والبحث عن مناطق سكن أخرى بعد أن حاصرتهم المياه وأفسدت أثاث بيوتهم، حسب تصريحات أدلوا بها للجزيرة نت.

سوق الميناء الذي يعتبر واحدا من أهم أسواق نواكشوط أغلق أغلب محلاته أبوابها وتعطل العمل فيه، وبات ما بداخله محاصرا بالمياه، مهددا بالضياع، فانشغل أصحاب المتاجر بإزالة المياه ومحاولة توجيهها خارج الدكاكين، لكن البعض لم ينجح في ذلك، حسبما يقول التاجر الخديم ولد لحبوس.

مياه الأمطار تحاصر سفارة الصين التي تمول مشروع الصرف الصحي (الجزيرة)

ويقول ولد لحبوس في حديث للجزيرة نت إن "سكان المقاطعة باتوا يشعرون بالقلق مع حلول موسم الأمطار كل سنة نظرا لما يعانونه من متاعب، فالنشاط التجاري في السوق يتوقف، والبيوت تحاصرها المياه ويضطر بعضنا لمغادرة المقاطعة".

مناطق محددة
ويضيف ولد لحبوس "رغم هذه المعاناة المستمرة منذ سنوات، ظلت تدخلات الدولة محدودة، واقتصرت على عمليات سحب المياه في مناطق محددة، وما زلنا ننتظر الصرف الصحي الذي طالما وعدنا به على مدى سنوات عدة".

سوق اللحوم والخضار بالميناء بدا محاصرا بالمياه الآسنة التي خالطتها محتويات المجاري، فغابت أبسط شروط النظافة والصحة، تماما كما غاب الزبون وبقي الباعة ينتظرون انحسار "هذه البحيرة الآسنة، وينتظرون من الدولة مساعدتهم"، حسب تعبير صاحبة إحدى محلات الخضار بالسوق.

شوارع الميناء الآهلة بالسكان تحولت إلى بحيرات كَدرَة، لم تسلم منها المنازل، فابتكر السكان أساليب للخروج من أجل جلب ما يحتاجونه، فأقاموا معابر من الخشب والحجارة على الشوارع ليتمكنوا من الحركة، وشاعت تجارة نوع خاص من النعال يغطي القدم والساق.

لكن الوسيلة الأكثر استخداما من السكان هي العربات التي تجرها الحمير، والتي تحول أصحابها من نقل الأمتعة والبضائع إلى نقل الأشخاص، وارتفعت الأسعار لتصل إلى حوالي دولار يدفعها الفرد مقابل عبور شارع أو زقاق.

إبراهيم أمدو: التركيز تم على سحب الأمطار أولا (الجزيرة)

معاناة سكان نواكشوط المتجددة كل سنة فرضت على الدولة اتخاذ جملة من الإجراءات، تمثلت أساسا في إزالة المياه المتجمعة في الشوارع الرئيسية وبعض النقاط المركزية في المدينة، مستخدمة لذلك صهاريج ومضخات تعمل بالوقود.

مجموعة فرق
ويقول مسؤول العمليات في المكتب الوطني للصرف الصحي المعني بالموضوع إبراهيم أمدو إن "المكتب يقوم بعمله من خلال مجموعة من الفرق تستخدم صهاريج مجهزة بآليات التفريغ، ومحطات ثابتة تقوم بجذب المياه وضخها في الصهاريج لنقلها إلى نقاط الصرف".

ويضيف إبراهيم في حديث للجزيرة نت أن "الفرق ركزت في البداية على سحب المياه من الشوارع الرئيسية والمحيطة بالأسواق من أجل انسيابية المرور وفك العزلة عن المناطق التجارية، وحين تنتهي هذه المرحلة تنتقل الفرق إلى الأحياء المتضررة والشوارع الثانوية".

وفي غياب شبكة للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، فإن هذه الحلول تبقى مؤقتة ومحدودة التأثير، مما يجعل المواطنين يطالبون الدولة بإقامة تلك الشبكة، التي تقول الحكومة إنها لم تدخر جهدا في سبيل توفيرها.

وقد صادق البرلمان الموريتاني خلال الشهر الماضي على اتفاقية مع الصين بقيمة عشرة مليارات أوقية (نحو 28 مليون دولار أميركي) لتمويل شبكة للصرف الصحي يعول عليها في إنهاء معاناة سكان نواكشوط السنوية.

المصدر : الجزيرة