قوارب الموت تحمل العشرات من المهاجرين غير النظاميين يوميا إلى جزيرة ليسبوس اليونانية, بين هؤلاء يبرز السوريون بأعدادهم وبقصص معاناتهم في طريق الهرب من الموت المحدق بهم في حرب دخلت عامها الخامس.

تختصر ملامح اللاجئين السوريين الواصلين إلى جزيرة ليسبوس بشمال اليونان جانبا كبيرا من قصص معاناة قادت الكثيرين إلى المخاطرة بحياتهم في رحلة هرب من وإلى المجهول.
 
على شاطئ الجزيرة الواقعة شمالي اليونان وعلى مسافة ساعتين بالبحر من السواحل الغربية لتركيا يسارع اللاجئون الواصلون إلى التخلص من سترات النجاة والتطلع إلى ما تبقى من رحلتهم نحو مناطق أكثر أمنا من المدن التي فروا منها.
 
ولأن سوريا تشهد إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث فإن القادمين منها يشكلون الأغلبية بين المهاجرين الواصلين إلى جزيرة ليسبوس.

وبقدر معاناتهم في بلادهم التي تعصف بها الحرب منذ أربع سنوات كانت فرحتهم بالوصول إلى بوابة أوروبا، فقد اختار مصطفى محمد أن يعانق أول شخص التقاه في اليونان، وصاح آخرون في القارب المطاطي الأبيض وهللوا حين وصلوا إلى الشاطئ، وسجد رجلان على صخوره شكرا لله، بينما التقطت امرأة محجبة حصاة وقذفتها في البحر.

وقال شاب عمره 26 عاما سافر بصحبة أخته الصغيرة "لا يهمني إلى أين أذهب، أنا سعيد لخروجي من سوريا وحسب، نستحق جميعا الحياة".

وأضاف الشاب الذي اكتفى بالقول إن اسمه عيسى ويعمل حلاقا "ما زال والداي في حمص"، وهي المدينة التي دمرتها الحرب وشهدت بعضا من أشرس المعارك أثناء الصراع السوري.

عشرات المهاجرين غير النظاميين ينتظرون قطارا على حدود مقدونيا واليونان (رويترز)

وكان هؤلاء ضمن قاربين وصلا في غضون ساعة فقط إلى الجزيرة، أحدهما يحمل نحو أربعين سوريا، بينما حمل الآخر عددا مماثلا من الأفغان.

وانضم هؤلاء لعشرات الآلاف دخلوا اليونان بطرق غير نظامية منذ بداية العام، ووصف الاتحاد الأوروبي هذه الظاهرة بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.

وطبقا لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين استقبلت اليونان أكثر من 107 آلاف لاجئ ومهاجر هذا العام، أي أكثر من مثلي من استقبلتهم عام 2014 وبلغ عددهم 43 ألفا وخمسمئة.

ويقول مراقبون إن تدفق اللاجئين يصل إلى 250 يوميا في المتوسط، ينجح بعضهم في الوصول إلى المتطوعين الذين يعدون الترتيبات لإطعامهم ونقلهم بحافلات إلى ميتيليني المدينة الرئيسية بالجزيرة، حيث يتم اصطحابهم إلى مراكز الاستقبال لتحديد هوياتهم.

ويهيم آخرون على وجوههم فيسلكون الطريق الترابي ليصلوا إلى أقرب منطقة مأهولة على بعد نحو عشرة كيلومترات.

لاجئون سوريون وأفغان في مخيم بأثينا (الجزيرة نت)

ووفقا لما جاء في روايات عدة أشخاص في مراكز الاستقبال بالجزيرة ينتظرون الأوراق اللازمة للانتقال إلى دول أوروبية أخرى، فإن القوارب هي وسيلة النقل الرئيسية عبر مضيق بحري طوله عشرون كيلومترا بين تركيا وليسبوس.

ويشهد على ذلك طريق ترابي بين منطقتي ميثيمنا وسكالا سيكامينياس في شمال ليسبوس تتناثر فيه بقايا القوارب المطاطية وسترات النجاة التي ألقيت على الشاطئ.

ويتنافس رجال على متن شاحنات صغيرة في الاستحواذ على ما يمكن أن يستفيدوا منه من بقايا قوارب الهجرة، مثل المحركات والقواعد المصنوعة من الخشب و"الفايبرغلاس" التي توضع في قاع القارب.

وفيما يستعد لمرافقة لاجئين والتوجه صعودا نحو جبل بالمنطقة اختلطت مشاعر الفرحة لدى مصطفى محمد مع قلق بدا واضحا على محياه وهو يتساءل "إلى أين أذهب الآن؟".

المصدر : الجزيرة + رويترز