يبدو أن أزمة التمويل، خصوصا الخارجي، لعدد من وسائل الإعلام اللبنانية لم تجد إلا "الحلقة الأضعف" في منظومة الإعلام، كي تنفجر بها بعد أن توالت عمليات الاستغناء عن خدمات موظفين بفضائيات وصحف عدة.

حسن الحاف-بيروت

تعبر عمليات التسريح من العمل الأخيرة التي طالت موظفي وسائل إعلام لبنانية عن أزمة الإعلام اللبناني، الذي لم يعد يحتل الأولوية لدى الممولين الخارجيين، الباحثين عن ملفّات أكثر سخونة، حسب مراقبين.

يقول رئيس قسم المصورين السابق في قناة "الجديد" طلال عبد الرحيم وأحد الموظفين المستغنى عنهم مؤخرا "إن القرار الذي اتخذته إدارة القناة بصرف أكثر من 20 موظفا تعسفي وكيدي، وليس صرفا لأسباب مالية كما يشاع"، سائلا "كيف يمكن أن يكون القرار ماليا فيما صرفت القناة ملايين الدولارات في رمضان لشراء برامج؟".

ويشير إلى أن "ما يزيد عن 20 موظفا بلغوا حتى الآن بالقرار، وراوحت تعويضاتهم بين شهرين و8 أشهر، فيما ينتظر آخرون بقلق كبير تبليغهم بإنهاء خدماتهم في أي لحظة".

ويرى عبد الرحيم، وهو الذي خدم بالقناة لأكثر من 24 عاما، أن "الفئات التي تعرضت للصرف هي الفئات الأضعف في القناة، التي تراوح رواتبها بين 500 و1400 دولار".

وفيما يشير عبد الرحيم للجزيرة نت إلى توجّه بعض الموظفين لرفع دعاوى قضائية لدى مجلس العمل التحكيمي ضد القناة، يلفت إلى تراجع الإنتاجية في مختلف الأقسام، خصوصا التي طالها الصرف بحوالي 80%.

عبد الرحيم: الفئات التي تعرضت للصرف هي الفئات الأضعف في القناة (الجزيرة)

الحلقة الأضعف
في سياق متصل، يرى مصدر مطلع على أوضاع القناة أن القرار شكّل الحلقة الأولى في مشروع إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين قنوات التلفزة اللبنانية، كما يشكّل أولى النتائج العملية لتراجع التمويل الخارجي لتلفزيون الجديد في الآونة الأخيرة.

ولا يختلف حال موظفي صحيفة "السفير" كثيرا عن "الجديد"، إذ "احترقت أعصابهم في انتظار قرار الصرف الأخير الذي طال عددا من الموظفين"، كما يقول أحد الموظفين المطرودين المصور علي لمع للجزيرة نت.

ويشرح لمع أن "أنباء الطرد بدأت تشاع منذ بداية العام الحالي، غير أن الإدارة انتظرت حتى منتصف العام تقريبا لإبلاغ حوالي 15 موظفا بالقرار لا تتعدى رواتبهم 1000 دولار في المتوسط، بينهم من بلّغ قبل أيام فحسب، وذلك لتخفيف الصدمة على الموظفين المتبقين، وجعلها متدرّجة".

لمع الذي خدم "السفير" لعشر سنوات يقول إنه استوفى تعويضا قدره راتب سبعة أشهر من الصحيفة، فيما بلغ تعويض غيره، حسب سنوات العمل، 3 أشهر".

قناة "المستقبل" اللبنانية التي قامت بأكثر من عملية صرف في السنوات الأخيرة، تشهد اليوم بحسب أحد موظفيها، أزمة رواتب كبيرة. يقول الموظف، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، للجزيرة نت "منذ فبراير/شباط الماضي حتى اليوم لم تدفع الإدارة إلا راتبين كاملين، فضلا عن سلفة بقيمة 660 دولارا، أي أن غير المسدد هي رواتب أكثر من ثلاثة أشهر".

ويوضح الموظف أن "المدراء يكررون على الدوام أن الأزمة طويلة، وأنهم في انتظار تعافي وضع مالك المحطة، رئيس الحكومة السابق سعد الحريري". ويلفت إلى أن "الإنتاجية في المحطة تراجعت بحوالي 70%، حيث يطلب المدراء من الموظفين القيام بالحد الأدنى من المهمات الموكلة إليهم عادة".

جبور: لبنان لم يعد ضمن الأولوية السياسية للأطراف الخارجية التي تموله (الجزيرة)

أزمة تمويل
في المقابل، يرى رئيس نقابة أصحاب وكالات الدعاية والإعلان جورج جبور أن أزمة الإعلام اللبناني مردها إلى أن "لبنان لم يعد ضمن الأولوية السياسية للأطراف الخارجية التي تموله، فتحول التمويل إلى بلدان أكثر أهمية، مما دفع وسائل الإعلام للاتكال أكثر على المدخول الإعلاني الذي تراجع أيضا".

ويوضح جبور للجزيرة نت أن إجمالي الاستثمار الإعلاني يراوح اليوم بين 150 و160 مليون دولار، تبلغ حصة التلفزيونات منها بين 60 و65 مليون دولار، واللوحات الإعلانية بين 36 و40 مليونا، والصحف والمجلات حوالي 25 مليونا بتراجع حوالي 15 مليونا في السنوات الأخيرة، وحوالي 15 مليونا للإذاعات.

الحل برأي جبور يكمن "في تسريع انتقال الصحف نحو العالم الرقمي، وبإنتاج التلفزيونات برامج فعالة وأقل كلفة، فضلا عن تخفيف حدة المضاربة المحمومة بينها، إلى جانب قيام الدولة بدعم الاستثمار الإعلامي، كما يحصل في فرنسا، لكن شرط تأمين الشفافية في الإنفاق والاستقلالية". غير أن ذلك كله، برأي جبّور أيضا، حلم بعيد المنال.

المصدر : الجزيرة