تحولت طقوس الزواج في سوريا إلى همّ يثقل كاهل العائلات التي دفعتها التداعيات الاقتصادية للحرب إلى التخلي عن كثير مما كانت تشترطه من قبل، والاكتفاء بالرمزي والقليل والضروري خشية عنوسة بناتها.

سلافة جبور-دمشق

تقف رانيا ووالدتها ووالدة خطيبها طويلا بأحد محال سوق الصاغة بدمشق، تتأمل المعروضات، وتحاول اختيار ما يناسب ميزانية العائلة المتواضعة.

ولم تكن رانيا (25 عاما) تتوقع أن يتحول التجهيز لزفافها -الذي تأخر بسبب الحرب- إلى هم يثقل كاهلها بدل فرحة تتذكرها طوال العمر.

ولم تنجو الحياة الاجتماعية بأوجهها بعد أربع سنوات على انطلاق الثورة السورية من آثار الصراع، ولعل عادات وتقاليد الزواج كانت الأكثر تأثرا.

وتقول رانيا للجزيرة نت إنها كانت تحلم بحفلة زفاف كبيرة، وشهر عسل تقضيه خارج البلاد، إلا أنها اليوم تكتفي بشراء خاتم ذهبي وبعض المستلزمات الضرورية فقط.

وتضيف "إثر خسارتنا منزلنا الذي اشتريناه منذ أربع سنوات ببلدة المليحة بالغوطة الشرقية في ريف دمشق، وكنا نعمل على تجهيزه للسكن، بات همنا ينصب على تأمين أجرة منزل لائق في دمشق، مع استحالة شراء منزل جديد بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني".

وترى رانيا أن منزلا متواضعا بإحدى ضواحي دمشق لم يكن يبلغ سعره قبل اندلاع الثورة السورية أكثر من مليون ليرة سورية (نحو خمسة آلاف دولار)، إلا أن سعر بيت مشابه اليوم أصبح يتراوح بين ثلاثة وخمسة ملايين ليرة (15 إلى 25 ألف دولار)، وقد يتضاعف الرقم إذا كان الحديث عن منزل داخل العاصمة.

تدهور الأحوال المعيشية لم يترك للسوريين خيارات كثيرة بشأن تكاليف الزواج (الجزيرة)

الذهب والفضة
وقد يبدو التضخم طبيعيا في سوريا مع انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار الأميركي، إذ ارتفع سعر صرفها مقابل الدولار من خمسين إلى مئتين منذ عام 2011)، إلا أن عدم وجود زيادة مقابلة لدخل الأسرة ترك أثرا سلبيا على القدرة الشرائية، مما دفع رانيا وخطيبها لاستئجار منزل بخمسين ألف ليرة شهريا، بينما كانت أجرة المنزل نفسه 15 ألف ليرة قبل الثورة.

ولعبد الله وخطيبته حكاية أخرى، فالزيادة الكبيرة في أسعار الذهب -ارتفع سعر الغرام عيار 21 من 1700 إلى ستة آلاف ليرة- دفعته للعزوف عن الشراء، حيث اشترى الفضة رغم استياء والد ووالدة خطيبته.

وأوضح عبد الله -في حديث للجزيرة نت- أن تدهور الأحوال المعيشية لم يترك للعائلة السورية خيارات كثيرة، "فلم يعد أمامنا سوى طريقين: إما الاستغناء عن معظم عادات الزواج من شراء منزل ومصاغ وثياب وإقامة احتفال للأهل والأصدقاء، أو الاستغناء عن الزواج نفسه".

ولا يختلف حال عبد الله عن حال معظم الشباب السوري الراغب في الزواج، إذ فرضت الحرب والنزوح والفقر وارتفاع نسبة البطالة نمطا جديدا لتقاليد الزواج في سوريا، وأجبرت معظم العائلات على التقيد به، حسب الناشطة الدمشقية مرح.

الأسواق الشعبية أصبحت وجهة للكثير من السوريين بسبب سوء الأوضاع المعيشية (الجزيرة)

أقل صعوبة
وأضافت مرح للجزيرة نت "يلعب الأهل منذ القدم دورا أساسيا في الزواج ضمن المجتمع السوري، واعتادت عائلات الفتيات على وضع شروط صارمة وشبه تعجيزية أحيانا، لكن الحرب غيرت ذلك وأصبحت شروط ومطالب الأهل أقل صعوبة وأكثر رمزية".

ولم يعد الرجل مطالبا بشراء الذهب وإقامة حفل زفاف والعثور على مسكن ملائم، بل إن تقديم الحد الأدنى للعروس بات العرف السائد، كما أن سكن الزوجين مع الأهل في سوريا أصبح أمرا أكثر قبولا في المجتمع.

ونوهت الناشطة إلى أن عدد الرجال في سوريا انخفض بسبب توجههم للقتال مع أطراف النزاع كافة، ومقتل عدد كبير وسفر كثيرين إلى الخارج هربا من التجنيد الإجباري بصفوف جيش النظام، مما دفع الأهل لقبول معايير زواج أقل خشية بقاء بناتهم دون زواج.

المصدر : الجزيرة