وفق عضو الهيئة التأسيسية للتيار الحر أنطوان حرب، فإن الطبقة السياسية بلبنان "موزعة بين إقطاع تقليدي وإقطاع حزبي، وبينما كان يفترض العمل على تقديم نموذج سياسي جديد للبلد، إذا بنا نفاجأ بأن كل عائلة تريد أن تجعل من نفسها حزباً".

حسن الحاف-بيروت

سامي أمين الجميل، تيمور وليد جنبلاط، طوني سليمان فرنجية، سعد رفيق الحريري، فيصل عمر كرامي، طلال مجيد أرسلان.. وأخيراً جبران باسيل صهر رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون.

هؤلاء ليسوا مجرد قيادات صف أول في لبنان، وإنما هم كما تدل أسماء غالبيتهم، أو كما تدل "صلة المصاهرة" في حالة باسيل، يشكّلون الأكثرية الساحقة من زعماء الصف الأول في لبنان، الذين تحدّرت الزعامة إليهم بالوراثة.

فقد شهد العامان المنصرمان حالة واسعة من التوريث السياسي على مستوى عدد من الأحزاب الأساسية في لبنان، كان آخرها قبل أيام عندما انحاز رئيس "حزب التيار الوطني الحر" ميشال عون إلى صف صهره جبران باسيل في انتخابات قيادة التيار، وذلك في وجه قائمة ابن شقيقته ألان عون المدعوم من شقيقه نعيم عون أيضاً.

ميشال عون مع جبران باسيل زوج ابنته (الجزيرة)

غير أن تزكية باسيل لرئاسة التيار لم تمر بلا اعتراضات، فقد قام عدد من أعضائه بإبداء اعتراضهم علناً على هذا "التوريث" كما قدّم عضو الهيئة التأسيسية في التيار أنطوان خوري حرب استقالته في بيان رسمي، أعلن فيه أن "الديمقراطية انتهت في التيار الوطني الحر". 

ويقول حرب للجزيرة نت إنه كان لا يزال يتأمل بـ"أن التيار هو أحدث تنظيم سياسي موجود في لبنان، وأنه تكوّن على أنقاض انهيار الطبقة السياسية عموماً، والمسيحية خصوصاً، غير أن هذا البديل سقط، بعدما التحق بنادي الإقطاع الحزبي في لبنان".

ويضيف أن "الطبقة السياسية في لبنان موزعة بين إقطاع تقليدي وإقطاع حزبي، وبينما كان يفترض العمل على تقديم نموذج سياسي جديد للبلد، إذا بنا نفاجأ بأن كل عائلة تريد أن تجعل من نفسها حزباً". هذا الواقع يؤدي، وفق حرب، إلى "إقفال الأبواب أمام تجديد الحياة السياسية والحزبية في لبنان".

 حرب: هناك ارتباط عضوي بين الإقطاع والتخلف والفساد (الجزيرة)

لا للتوريث
ويرى حرب أن "ترسيخ هذا النهج الإقطاعي سيؤدي إلى تأبيد تخلف المجتمع اللبناني، إذ هناك ارتباط عضوي بين الثقافة الإقطاعية والتخلف والفساد". ويختم بالقول إن "المظاهرات الجارية اليوم تشكل مخاضاً لولادة حالة جديدة في البلد، تضع الدولة في خدمة المجتمع، لا في خدمة الزعامات".

في أواخر عام 2012، وإثر تزايد الحديث عن نيّة بعض زعماء الصف الأول تسليم زمام القيادة لأبنائهم، ولدت صفحة "لا للتوريث السياسي في لبنان" على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

يقول أحد المسؤولين عن الصفحة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن "التوريث معضلة كبيرة، لأنه يعطّل حركة التداول الطبيعية بين الأجيال، عبر استبعاد الدماء والأفكار الجديدة من الشباب اللبنانيين، غير المتحدرين من عائلات إقطاعية أو من زعماء حرب".

من هنا، طالبت الصفحة، وفق ما يقول المسؤول عنها، بأن "يكون لأي مرشح غير معروف، وليس وريثاً لأحد، الحق نفسه والميزات نفسها التي يملكها أولاد الزعماء وورثتهم، من منطلق شفافية وأحقية الترشح!". ويستدرك قائلاً "إن ذلك مستحيل كما ثبت، لكون التوريث يلغي تكافؤ الفرص في الوصول إلى الحكم". 

ويرى المسؤول عن الصفحة أن "حراك اليوم ضد النفايات هو في عمقه ضد الفساد والتوريث أيضاً، فعندما يصرخ المواطن ارحلوا عنّا، أو طلعت ريحتكم أو بدنا نحاسب، فهل هو يقصد الأب دون الابن؟ بالعكس، هو يكفر بكل العائلة الحاكمة، القائمة على التوريث".      

شعبان: الوريث يرث الزعامة السياسية مع إمبراطورية مالية ضخمة (الجزيرة)

حكم الأعيان
بدوره، يقول الأستاذ بالجامعة الأميركية في بيروت جاد شعبان إن "للتوريث السياسي في لبنان بعداً تاريخياً مهماً منذ القرن التاسع عشر، حيث وجدت الخلافة العثمانية ومن بعدها الحكم الفرنسي أنه من الأسهل حكم لبنان عبر التعاون مع أعيانه أو رؤساء طوائفه، ما رسخّ البنية الطائفية والعائلية في الحياة السياسية اللبنانية".  

ويضيف شعبان للجزيرة نت أن الفرنسيين "لم يبنوا دولة مدنية ديمقراطية في لبنان، بقدر ما قووا دولة الأعيان، وقد بدا ذلك في الدستور الأول وتطبيقاته التي رسخت صيغة 6 و6 مكرّر، أي تقاسم كعكة السلطة بين مختلف القوى الطائفية".

ويرى أن "الحروب والأزمات الاقتصادية غيّرت تكوين السلطة في لبنان، فانتقلنا من الإقطاع القديم، إلى الإقطاع المرتبط باقتصاديات الحرب والرساميل الخارجية والتبعية للدول الإقليمية" فبات الوريث، وفق شعبان، لا يرث الزعامة وحسب، بل معها إمبراطورية مالية ضخمة.  

المصدر : الجزيرة