الغوص في الملفات الحكومية وتتبع خيوط الصفقات والتمويلات المشبوهة يكشف أن العراق دولة يحكمها الفساد المقنن. وفي ظل نفوذ رئاسة الوزراء وهامشية دور المؤسسات الرقابية، تعمّ فوضى النهب والتهريب القطاعات الحيوية في البلاد.

علاء يوسف وأحمد الأنباري-بغداد

لا يجد الكثير من المهتمين والمتابعين للشأن العراقي صعوبة بالغة في تفسير أسباب انتشار الفساد حتى أصبح ظاهرة غير مسبوقة على الإطلاق في حال المقارنة ببقية بلدان العالم.

ويحمّل مراقبون نظام المحاصصة مسؤولية استشراء الفساد المالي والإداري بالعراق بعد العام 2003. وتعني المحاصصة أن الكتل والأحزاب الفائزة في الانتخابات النيابية تتقاسم المناصب الحكومية.

وبموجب هذه المحاصصة أيضا يتولى رئاسة الجمهورية كردي، ويتولى رئاسة الوزراء شيعي،  وتكون رئاسة البرلمان من نصيب السنة.

وتتقاسم هذه الأطراف نواب الرؤساء الثلاثة، ثم الحقائب الوزارية والمستشارين والمديرين العامين والسفراء وحتى صغار الموظفين.

ويقول مراقبون إن هذا المنطق جعل مهمة هؤلاء المسؤولين تتركز على توفير موارد مالية للكتل والأحزاب التي ينتمون إليها.

مظاهر الثراء
وبات العراقيون يدركون ذلك من خلال الممارسات والثراء الباذخ الذي ظهر على رؤساء الأحزاب والكتل، ووسائل الإعلام الخاصة الكثيرة والسيارات المصفحة.

وخلافا لما عليه الحال في الدول الديمقراطية، أصبحت مسؤولية البرلمان العراقي هي حماية أعضاء الحكومة، لذلك لم يقدم الوزراء والمسؤولون الفاسدون إلى المحاكم، والبعض غادر العراق في وضح النهار.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك أول وزير كهرباء بعد العام 2003 أيهم السامرئي الذي اتهم بفساد مالي، وبعد ذلك فلاح السوداني وزير التجارة المقرب من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حيث غادر إلى بريطانيا بعد اتهامات واسعة بالفساد في عقود البطاقة التموينية.

الفساد داخل قطاع النفط يكبد العراق مليارات الدولار سنويا (الأوروبية)

ولا يختلف حال هيئة النزاهة عن بقية المؤسسات الرقابية، في حين يفترض أنها مؤسسة مستقلة. ومرد ذلك أن هذه الهيئات تأسست واختير أعضاؤها من قبل الأحزاب والكتل الحاكمة.

ووصل التسييس للقضاء، فلم يعد قادرا على محاسبة الفاسدين. ويتهم المالكي بربط القضاء به شخصيا وبحزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه.

نهب النفط
وقد يتفاجأ الكثيرون عندما يكتشفون أن تصدير النفط العراقي يتم بدون عدادات في أهم ميناء للتصدير في شط العرب بجنوبي البصرة، وهذا يلغي الرقابة الحقيقية على واردات البلاد.

ورغم اعتراض مختصين في النفط والاقتصاد لم توضع عدادات تقيس حجم الصادرات الحقيقية. وهناك شبهات حول تهريب النفط العراقي بكميات كبيرة.

ومنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 حتى اليوم لم تقدم أي حكومة حسابات ختامية دقيقة لتعتمدها الحكومة اللاحقة. 

ومن يراجع تصريحات المسؤولين والخبراء الذين تحدثوا عن الفساد يصدم بالتناقض في الأرقام التي تعلنها جميع الأطراف، لكن ما هو متفق عليه أن المبالغ طائلة وبمليارات الدولارات.

امتيازات كبار المسؤولين تستنزف خزينة الدولة العراقية (الجزيرة نت)

رواتب المسؤولين
ويقول عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي حسام العقابي إن "النواب الثلاثة لرئيس الوزراء حيدر العبادي يستلمون شهريا مبلغ نحو 20 مليار دينار تتضمن رواتبهم ومخصصات حمايتهم.

ويضيف العقابي أن كلا من روز نوري شاويس وصالح المطلك -وهما نائبان لرئيس الوزراء- يستلم كل شهريا 8 مليارات دينار، فيما يستلم بهاء الأعرجي (نائب رئيس الوزراء أيضا) ما يقارب ملياري دينار.

أما رئيس اللجنة المالية البرلمانية أحمد الجلبي فيقول إن نواب رئيس الجمهورية الثلاثة يكلفون الدولة خمسة مليارات دينار شهريا.

وقال إن نواب رئيس الجمهورية الثلاثة يستلمون خمسة مليارات دينار من خزينة الدولة شهريا، متوزعة على حمايتهم وإيجاراتهم وأسفارهم. وبين أن لكل نائب فوج حماية يتكون من 200 شخص بالإضافة إلى التشريفات والحرس الخاص.

وتشير تقارير برلمانية إلى أن الحكومة تورطت في صفقات سلاح مشبوهة من قبيل تلك التي أبرمت عام 2007 مع صربيا بقيمة بقيمة 833 مليون دولار ويتهم 22 مسؤولا بالضلوع فيها.

حصاد الفساد
وأكدت هيئة النزاهة أن خسائر العراق في السنوات العشر الماضية نتيجة الفساد الإداري والمالي بلغت 250 مليار دولار، ووصفت هذه النتيجة بالكارثية بين بلدان العالم.

واعتبرت أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء هي البؤرة الأخطر للفساد، فيما احتلت وزارة الدفاع مرتبة متقدمة بين الوزارات في هذا المجال.

وتقول الهيئة إنه يتم تهريب النفط في العراق بمعدل 300 إلى 500 ألف برميل يوميا، لتبلغ خسائر العراق بالحد الأدنى 7.2 مليارات دولار سنويا.

قطاع الكهرباء كلف الدولة 30 مليار دولار ولا يزال عاجزا عن سد حاجة المواطنين (غيتي)

وكشفت الهيئة أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء قد تحّولت إلى أخطر بؤرة للفساد في العراق، بعد إلغاء لجنة الشؤون الاقتصادية التي كان يرأسها نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني، وتحويل صلاحياتها إلى الأمانة العامة.

ومعظم العقود الضخمة تبرم من خلال أمانة مجلس الوزراء، مثل شراء طائرات بمليارات الدولارات أو التعاقد في مشاريع أخرى، في ظل "عدم السماح لهيئة النزاهة بالاطلاع والتحقيق".

الكهرباء والدفاع
وأكد نواب بالبرلمان أن قطاع الكهرباء يشهد فسادا خاصا، حيث كان الإنتاج في حدود 4000 ميغاواط، بينما قدرت الحاجة الإضافية بـ2800 ميغاواط أخرى، وأضافوا أنه أنفق 30 مليار دولار على هذا القطاع.

في المقابل قال مسؤولون إنه اكتشف 50 ألف راتب وهمي كلفت الحكومة 5 مليارات دولار سنويا، إضافة إلى عمليات فساد أخرى. كما فقدت وزارة الدفاع 19 ألف قطعة سلاح.

وقال مسؤولون في الهيئة للجزيرة نت، فضلوا عدم نشر أسمائهم، إن وزارة الدفاع احتلت مرتبة متقدمة في الفساد المالي والإداري، خصوصا في عقود التسليح بما فيها شراء طائرات عمودية قديمة غير صالحة للعمل وبنادق قديمة مصبوغة واستيراد آليات من دول أوروبا الشرقية بنوعيات رديئة.

وأوضح هؤلاء أن المشكلة الكبرى هي سعي الوزارة إلى الاحتماء وفرض السرية على ملفاتها والامتناع عن تسليمها إلى هيئة النزاهة. و"قد تم منع محققي الهيئة من الحصول على نسخ الملفات ذات العلاقة بالفساد أو تصوير أي وثائق رغم وجود أوامر قضائية بالاطلاع".

المصدر : الجزيرة