رحلة طويلة من المعاناة يقطعها اللاجئون العابرون إلى دول غرب أوروبا، وتعد جزيرة كوس اليونانية أولى محطاتهم في هذه الرحلة، حيث يقضون أياما بين تسهيلات تقدمها السلطات للاجئين، خصوصا السوريين منهم، وقسوة المناخ وقلة ذات اليد ومحاولة البعض استغلال ظروفهم.

شادي الأيوبي-جزيرة كوس (اليونان)

تعد جزيرة كوس اليونانية نقطة التقاط أنفاس لآلاف المهاجرين وطالبي اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، فهذه الجزيرة الوادعة -التي تعيش على موسم السياحة- هي أول أرض أوروبية يدخلها المهاجرون في طريقهم المحفوف بالمخاطر والاستغلال والمضايقات.

ينتظر اللاجئون في الجزيرة أمرا وحيدا، وهو الحصول على وثيقة مبدئية لإثبات الشخصية، وهذه الوثيقة تخول المهاجرين البقاء فترة أقصاها ستة أشهر داخل اليونان، وهي مدة كافية لمغادرتهم البلاد نحو دول أوروبا الغنية.

الحكومة اليونانية اكتفت -من ناحيتها- بالإجراءات الإدارية، أي عملية البت في طلبات اللجوء، أما الناحية الإغاثية فقد وكلت بها الجمعيات الإنسانية والمتطوعين الذين فرغوا أنفسهم لخدمة المهاجرين والعناية بهم.

ويعتقد المراقبون في البلد أن أي تحسن لن يطرأ على ملف اللجوء كون البلاد تمر بفترة انتخابات مبكرة، حيث تنشغل الأحزاب ببرامجها الانتخابية وكسب الناخبين، فيما تتعطل الكثير من مشروعات الدولة، ولا سيما القضايا المثيرة للجدل مثل الهجرة واللجوء.

 سبيروس دانييل: معظم اللاجئين ينوون الذهاب إلى ألمانيا والدول الإسكندنافية وبريطانيا (الجزيرة)

خصوصية للسوريين
السلطات اليونانية قامت مؤخرا بتسريع عملية التحقق من الشخصية بالنسبة للاجئين السوريين نظرا لأنهم يشكلون 80% تقريبا من مجموع المهاجرين، وللاعتراف الدولي الذي حازه هؤلاء كأبناء بلد منكوب بالحرب، وبعد احتجاجات قاموا بها قوبلت بتدخل الشرطة اليونانية، مما أثار ردود أفعال أوروبية ودولية.

ويوضح المحامي الناشط في مجال اللجوء سبيروس دانييل أن المشكلة الكبرى في جزيرة كوس هي العثور على مكان يؤوي هذا العدد الكبير من اللاجئين.

ويقول دانييل للجزيرة نت إن 80% من اللاجئين يصرحون برغبتهم في السفر إلى ألمانيا، فيما يرغب الباقون في الذهاب إلى الدول الإسكندنافية وبريطانيا، ويضيف أن أحدا منهم لا يرغب في البقاء في اليونان، حتى أن بعضهم يسألون عند وصولهم إلى جزر اليونان: أين نحن؟ هل وصلنا إلى إيطاليا؟

ويؤكد حيدر -الشاب العراقي القادم من بغداد- أن وجهته مع زملائه هي فنلندا، حيث إن معظم البلاد الأوروبية أصبحت مشبعة باللاجئين. ويضيف حيدر وزملاؤه للجزيرة نت أنهم يعلمون أن فنلندا بلد فيه الكثير من الرتابة والملل، لكنهم سيصبرون حتى الحصول على اللجوء فيها بانتظار لحاق أسرهم بهم.

وتقول معظم العائلات السورية التي قابلتها الجزيرة نت في كوس إن الشيء الوحيد الذي تريده هو الحصول على تلك الوثيقة التي لا يمكنها من دونها ركوب الباخرة باتجاه أثينا ومتابعة مسيرتها إلى بلدان شمال أوروبا.

اللاجئون في جزيرة كوس ينقسمون إلى قسمين، قسم ساعدته ظروفه المادية في استئجار غرفة في فندق متواضع، وآخر أقل قدرة افترش الحدائق والشوارع والساحات العامة.

وتعاني الأسر المقيمة في الشارع من ظروف حياتية صعبة للغاية، فالحر الشديد يضربها طوال النهار، فيما تنعدم المرافق الصحية الضرورية، وتزداد هذه الظروف قسوة على النساء المحجبات في تلك الأجواء الحارة.

 مهاجرون في باحة القسم ينتظرون ورقة التعريف بالهوية للسفر إلى أثينا (الجزيرة)

استغلال الحاجة
التمييز الإيجابي الذي قامت به السلطات اليونانية لصالح اللاجئين السوريين تسبب بمرارة لدى غيرهم من طلاب اللجوء، حيث يشكو الآخرون من تأخير كبير لطلباتهم رغم قدومهم من بلاد تعاني ويلات الحروب مثل العراق.

في المقابل، يشتكي السوريون من استغلال المهاجرين الآخرين مأساتهم وانتحال صفة اللاجئ السوري لتسريع عملية الحصول على اللجوء.

يقول أحمد -وهو عراقي من بغداد في الخمسينيات من عمره- إنه دفع حوالي 2500 يورو للعبور إلى جزيرة كوس، ولا يزال ينتظر منذ أيام الحصول على ورقة التثبت من الهوية. ويضيف -وهو الذي ترك أسرته في العراق بانتظار استدعائها لاحقا- أن السيئ في الموضوع هو أنه ليس هناك أي تاريخ لإنجاز الأوراق المطلوبة.

وبسبب التشديد في مطارات اليونان من قبل مراقبي جهاز فرونتاكس، والتكلفة المرتفعة أصبح الطريق البري الذي يمر من شمال اليونان عبر دول البلقان هو الطريق الأوحد للاجئين، خاصة أن دول أوروبا الغنية أظهرت في الفترة الأخيرة استعدادا لقبول أعداد أكبر منهم، وأوعزت إلى دول البلقان بالتساهل مع مرورهم عبر أراضيها.

المصدر : الجزيرة