تنتظر أم زهير فرصة اللحاق بزوجها الذي غادر سوريا مهاجرا إلى أوروبا، وتشكو من ارتفاع تكاليف المعيشة، كما توجه اللوم "للجمعيات والمنظمات الإغاثية والإنسانية التي يتطلب الحصول على مساعدة منها واسطة من العيار الثقيل"، على حد تعبيرها.

سلافة جبور-دمشق

"استنزفتنا الحرب حتى الرمق الأخير، خسرنا منزلنا وممتلكاتنا، ودفعنا ما تبقى من أموالنا كي يتمكن زوجي من الهرب في البحر للوصول لأوروبا، وها أنذا اليوم أعيش وحيدة في دمشق مع أطفالي أقارع الفقر والحاجة".

هذا هو حال أم زهير التي تنتظر منذ ستة أشهر إنهاء إجراءات لمّ الشمل كي تتمكن من اللحاق بزوجها الذي استقر في السويد، وتصف معاناتها بأنها "المأساة التي لا تلقى اهتماما يذكر من وسائل الإعلام أو المنظمات الإنسانية."

ومع استمرار العنف في سوريا منذ أكثر من أربعة أعوام، باتت القارة الأوروبية تشكل حلما لمئات الآلاف من السوريين، يدفعهم للتضحية بأموالهم والمخاطرة بحياتهم للوصول وطلب اللجوء فيها، ونظرا لارتفاع تكاليف السفر برا أو بحرا للقارة العجوز، يخاطر رب العائلة في معظم الأحيان بنفسه وحيدا في رحلة السفر المجهولة تلك، وإذا وصل سالما فهو يبدأ إجراءات للجوء ولمّ الشمل تنتظرها العائلة بشغف لكنها قد تستغرق أشهرا طويلة.

وبحسب تقرير إحصائي صادر عن مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية بخصوص اللاجئين السوريين في الدول الصناعية حتى نهاية العام الفائت، فإن عددهم بلغ أكثر من 319 ألفا توزعوا ضمن القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا وكوريا الجنوبية واليابان. أما الأمم المتحدة فقدرت أعداد السوريين المهاجرين لأوروبا منذ بداية العام الحالي بـ160 ألفا، بينهم عشرات الآلاف من طالبي اللجوء.

أم زهير: رغم خطورة الرحلة اتخَذ زوجي القرار بشأنها لأنها كانت برأيه الحل الوحيد كي نبدأ حياة جديدة، لكنه يبدو اليوم حلا بعيدا وصعب المنال

لمّ الشمل
ولم تكن أم زهير لتحلم يوما بأن تكون هي وعائلتها ضمن تلك الأعداد الكبيرة التي تسعى للجوء في بلد غريب، وبأن يتحول "لمّ الشمل" لحلم تنتظر تحققه كل يوم، وهدف تتمحور حوله حياتها.

وتقول السيدة السورية ذات الثلاثين عاما للجزيرة نت إنها اضطرت للعمل في تنظيف المنازل لتأمين قوت عائلتها وإيجار غرفة صغيرة في أحد أحياء دمشق المتواضعة، وهو أمر لم تكن لتتخيل حدوثه يوم كانت تعيش في مدينتها داريا معتمدة على عمل زوجها في معمل لتصنيع الملابس.

"تركنا كل ممتلكاتنا وراءنا لدى هروبنا من المدينة تحت القصف، واضطررنا لبيع جانب من الحلي الذهبية التي أملكها كي يتمكن زوجي من دفع تكاليف السفر بالبحر، ورغم خطورة الرحلة اتخَذ زوجي القرار بشأنها لأنها كانت برأيه الحل الوحيد كي نبدأ حياة جديدة، لكنه يبدو اليوم حلا بعيدا وصعب المنال".

وتشكو أم زهير ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تأمين متطلبات أطفالها الثلاثة من طعام ولباس ودواء، كما توجه اللوم "للجمعيات والمنظمات الإغاثية والإنسانية والتي يتطلب الحصول على مساعدة منها واسطة من العيار الثقيل"، على حد تعبيرها.

حياة منشودة
ولأم ثائر حكاية أخرى، فزوجها الذي يتنظر اليوم في تركيا وسيلة للسفر إلى أوروبا لتقديم اللجوء، تركها مع "مسؤولية كبيرة تتمثل في تربية أربعة أطفال صغار يحتاجون وجود الأب والأم في آن معا كي يعيشوا حياة متوازنة".

وتقول أم ثائر في حديث للجزيرة نت: "لم أوافق على سفر زوجي بهذه الطريقة، إلا أن حياتنا في مدينة التل بريف دمشق أشبه بالحصار، فزوجي يتجنب المرور على الحواجز خشية الاعتقال، وكثيرا ما تمنع تلك الحواجز دخول وخروج السكان وكذلك المواد الغذائية. لم يعد أمامنا من سبيل سوى محاولة البحث عن حياة جديدة رغم علمنا بأن فترة صعبة تفصلنا عن تلك الحياة المنشودة".

وتؤكد أم ثائر وجود عدد من النساء في المدينة يعشن الانتظار نفسه، وتتفاوت معاناتهن مع أطفالهن بين صعوبات مادية لتأمين مستلزمات الحياة، وأخرى نفسية بسبب غياب الزوج أو الأب أو الأخ.

فبحسب تلك السيدة، لا تقل هذه المعاناة صعوبة عن المشاكل المادية، فالمرأة التي تضطر لتحل محل الأب والأم وتمارس دوراً مزدوجاً في حياة أطفالها، تتحمل مسؤولية قد تنتج عنها آثار وخيمة في حال طال زمن غياب الأب.

المصدر : الجزيرة