ما تعتبره الأغلبية الحاكمة مصالحة وطنية تمكن الدولة من استرجاع المال المنهوب يرى فيه المجتمع المدني عفوا عن المفسدين وإبراما لصفقات مشبوهة تمثل إساءة بالغة للثورة التونسية والتفافا على مسار العدالة الانتقالية.

خميس بن بريك-تونس

تعيش تونس فصلا جديدا من التجاذبات بسبب مشروع قانون يهدف للعفو عن رجال أعمال متهمين بالفساد في فترة النظام السابق مقابل استرجاع الدولة جزءا من الأموال المنهوبة والمهربة.

هذا المشروع بادر إلى طرحه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي قبل شهرين، وتمت المصادقة عليه في محطة أولى من قبل الحكومة الشهر الماضي، ثم تمت إحالته إلى لجنة التشريع العام للبت بشأنه في البرلمان.

وقال محمد الطيب الغزي المستشار القانوني للرئيس إن الأموال المسترجعة من عناصر النظام السابق سيتم توجيهها لمشاريع البنى التحتية، مؤكدا أنه لا مصالحة بشأن أموال عائلة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

ورحبت أحزاب الائتلاف الحاكم -وعلى رأسها نداء تونس وحركة النهضة- بمشروع القانون بحجة أنه سيساعد على الاستثمار والتنمية. وبحكم أغلبيتها الساحقة يرجح أن يمرر القانون عند عرضه قريبا في البرلمان.

غير أن جبهة معارضة هذا المشروع -والتي تتألف من أحزاب سياسية معارضة ومنظمات من المجتمع المدني- أطلقت حملة احتجاجية لمنع تمريره واعتبرته التفافا على العدالة الانتقالية ومستحقات الثورة.

في هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي وعضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الجليل البدوي إن مشروع قانون المصالحة المالية مع رجال الأعمال الفاسدين يتضمن خروقا فاحشة للدستور.

البدوي: قانون المصالحة يتضمن خروقا فاحشة للدستور (الجزيرة نت)

صفقات مشبوهة
ويضيف للجزيرة نت أن غاية القانون إعادة دمج رجال أعمال فاسدين في الحياة الاقتصادية دون محاسبة، وذلك من خلال إسقاط التبعات القضائية والعقوبات بشأنهم حول تهم تتعلق بالفساد والرشوة والسرقة.

وقلل البدوي من مردود العائدات المالية التي ستنتفع منها الدولة جراء التصالح مع رجال أعمال متورطين في الفساد، مشيرا كذلك إلى أن "قانون المصالحة لا يكرس مبدأ الشفافية ويفتح الباب لعقد صفقات سرية ومشبوهة".

ويقول رئيس التنسيقية الوطنية المستقلة للعدالة الانتقالية عمر الصفراوي إن "مبادرة الرئيس التونسي حول العفو على رجال أعمال فاسدين وموظفين حكوميين خطيرة لأنها تشجع على الفساد والرشوة".

وأكد أن "هذه المبادرة تسطو على صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة التي جاء بها قانون العدالة الانتقالية من أجل الكشف عن جرائم المتورطين مع النظام السابق، وتفتح الباب أمام المذنبين في حق الشعب للإفلات من العقاب".

وكانت هيئة الحقيقة والكرامة قد احتجت على عدم إشراكها في صياغة مشروع قانون العفو على رجال الأعمال، مستنكرة ما اعتبرته سطوا صارخا على مهامها في التحقيق بالتجاوزات المالية ومساءلة المذنبين.

غير أن أعضاء هذه الهيئة لم يكونوا على قلب رجل واحد، إذ تسبب تباين آرائهم بشأن تسيير الهيئة وأدائها في مسار العدالة الانتقالية في تفجر أزمة داخلية أدت إلى استقالة بعضهم وإعفاء نائب الرئيس.

جانب من ندوة ضد قانون المصالحة مع المتهمين بالفساد (الجزيرة نت)

أجندات حزبية
وأعلن مجلس إدارة الهيئة عن طرد زهير مخلوف نائب رئيسها بعد مراسلته رئيس البرلمان لإعلامه بوجود سوء إدارة وتصرف في الهيئة وسعي رئيستها سهام بن سدرين لإسقاط قانون المصالحة.

واعتبر بعض المراقبين أن تلك المراسلة من أحد أعضاء الهيئة بمثابة الوشاية التي خرقت مبدأ واجب التحفظ، واتهموا مخلوف بتطبيق أجندات حزبية لشق وحدة صف الهيئة والعمل على عرقلة وتعطيل نشاطها.

لكن النائب عن حركة نداء تونس عبد العزيز القطي يقول إن "تمرير قانون المصالحة أصبح ضرورة قصوى لتحسين الاستثمار، بسبب الشلل الذي تعيشه هيئة الحقيقة والكرامة في تحقيق مسار العدالة الانتقالية".

ويضيف للجزيرة نت أن "قانون المصالحة لا يتنافى مع العدالة الانتقالية وأنه جزء مهم من مسارها". ويرى أن هذا "القانون لا يسقط العقوبات عمن ثبت تورطهم قضائيا في الاستيلاء على المال العام والرشوة".

وأكد أن الدولة ستخرج مستفيدة من خلال تطبيق قانون المصالحة الذي سيوفر لها عائدات مالية مهمة ستوجهها لإنجاز مشاريع تنموية.

المصدر : الجزيرة