ضمن خطته الاستيطانية، يجتث الاحتلال الإسرائيلي أشجارا يزيد عمرها على ألفي عام، ويعد زيتها الأشهر والأغلى عالميا، بمنطقة "بئر عونة" التي أخذت اسمها من بئر ماء يرتبط بتقاليد مسيحية، تتعلق باستراحة السيدة مريم العذراء في المكان وإرواء طفلها عيسى المسيح.

ميرفت صادق-بيت جالا

كبر عيسى الشتلة مع أشقائه الخمسة بين بساتين "بئر عونة" المزروعة بأشجار الرمّان والزيتون، والتي يصل عمر بعضها إلى ألفي عام، وقبل أيام فقدت عائلته أرضها وزيتونها الذي جرفه الاحتلال الإسرائيلي لإقامة جدار فصل عنصري.

وبدأت "نكبة بئر عونة" الجديدة في 17 أغسطس/آب الجاري عندما فوجئ أصحاب الأرض بتجريفها واقتلاع زيتونهم، وعندما هرعوا للدفاع عنها أخبرهم الجيش الإسرائيلي أن المنطقة صودرت لإقامة جدار يفصل بيت جالا عن امتدادها الشمالي.

يقول الشتلة (45 عاما) الذي تعيش عائلته في البلدة القديمة لبيت جالا وعلى بعد أقل من نصف كيلو متر من أرضهم، إن الهجمة الإسرائيلية الأخيرة صادرت نحو خمسة دونمات يملكونها، واقتلعت أكثر من ثلاثين شجرة زيتون معمرة.

وتمتد الأراضي المصادرة على مساحة أكثر من 3500 دونم، بينما لم يتلق أصحابها أي إنذارات بالمصادرة، وكانت عائلة الشتلة قد فقدت 13 دونما من أرضيها في مصادرة أراضي دير الكريمزان القريبة.

فلسطينيون يقتلعون بوابات حديدية أقامها الاحتلال الإسرائيلي لمنع الأهالي من دخول أراضي بئر عونة المصادرة (الجزيرة نت)

وقرر الاحتلال في يوليو/تموز الماضي إضافة مقطع من الجدار العنصري على أراضي الكريمزان شمال بيت جالا بشكل يفصل مجموعة أديرة تابعة لرهبنة السالزيان المسيحية عن رعيتها، ويحرم 58 عائلة من أراضيها.

يقول الشتلة إن الاحتلال اقتلع في الأسبوع الأخير ثلاثين شجرة زيتون معمرة من أراضيهم في بئر عونة، وأضاف "بحساب أن الجيل يساوي سبعين عاما فإن أكثر من 29 جيلا فلسطينيا مرت على هذه الأشجار".

ولدى محاولة العائلة وأصحاب الأراضي الآخرين التصدي للجرافات الإسرائيلية، تعرض عيسى الشتلة وشقيقه وليد لاعتداء وضرب من قوات الاحتلال، مما أدى إلى نقل شقيقه إلى المستشفى.

ونقل الاحتلال بعض أشجار الزيتون إلى الجزء البسيط المتبقي من أراضي المنطقة، لكن الشتلة قال إن نسبة استمرار حياتها ضئيلة.

ويُنظر إلى الهجمة الإسرائيلية على أراضي بيت جالا بوصفها واحدة من سياسات تهجير المسيحيين الفلسطينيين، وقال الشتلة "إنهم يستهدفون كل الفلسطينيين، لكنهم يعملون على استهداف الأقلية المسيحية تمهيدا لاجتثاث الباقين".

يقول الكاتب أسامة العيسة من بيت لحم إن منطقة بئر عونة معروفة بأشجار زيتون قديمة تدعى "الزيتون الروماني" نسبة إلى الرومان، ويزيد عمرها عن ألفي عام، وأخذت المنطقة اسمها من بئر ماء تاريخية تدعى "بئر عونة"، وترتبط بتقاليد مسيحية محلية، تتعلق باستراحة السيدة مريم العذراء في المكان وإرواء طفلها عيسى المسيح، وتظهر بجانب فوهة البئر آثار أقدام يعتبرها البعض آثار أقدام السيدة العذراء.

تجريف إسرائيلي لأراضي بيت جالا شمال بيت لحم لإقامة جدار فصل عنصري (الجزيرة نت)

وحسب منسق لجنة مقاومة الجدار والاستيطان في بيت لحم مازن العزة فإن الاحتلال اقتلع في الأيام الأخيرة أكثر من 120 شجرة زيتون تصل أعمار بعضها إلى ألفي عام، ويُعتقد أنها زرعت في عهد السيد المسيح.

وقال العزة إن جزءا من المخطط الإسرائيلي يستهدف تطهير المنطقة عرقيا من الوجود المسيحي عبر مصادرة أراضيهم ومحاصرتهم بالجدار.

وكانت أراضي مدينة بيت جالا تمتد على مساحة تزيد على 15 ألف دونم، لكنها في السنوات الأخيرة تراجعت إلى ما دون 3500 دونم.

وأقام الاحتلال على أراضي بيت جالا المصادرة مستوطنتين كبيرتين هما: "جيلو" التي بنيت على مساحة 2700 دونم صودرت عام 1971، و"هارجيلو" التي أقيمت عام 1972 وتحتل اليوم مساحة 414 دونما.

وأوضح العزة أن الاحتلال ينفذ حاليا مخططا لمصادرة ما تبقى من أراضي بيت جالا وشمال بيت لحم لخلق تواصل بين المستوطنتين، واستكمال ما يعرف بمخطط "القدس الكبرى" لربط مستوطنات جنوب القدس بالتجمع الاستيطاني "غوش عتصيون" جنوبا باتجاه بيت لحم.

وتتجه مجموعة من أصحاب الأراضي المصادرة شمال بيت جالا، ومنهم مقيمون في الولايات المتحدة وأوروبا، لرفع شكاوى في المحاكم الدولية ضد المستوطنين.

المطران عطا الله حنا قال إن الاحتلال يستهدف الوجود المسيحي والإسلامي على أرض فلسطين (الجزيرة نت)

وتعتبر بيت لحم من أكثر مناطق الضفة الغربية تضررا بالجدار الإسرائيلي، حيث يحيطها على مسافة 83 كيلومترا، ويقسمها إلى تجمعات معزولة، وتحتل أراضيها 23 مستوطنة إسرائيلية يفوق المستوطنون فيها عدد الأهالي الفلسطينيين، بينما يصنف الاحتلال مساحات واسعة من أراضيها على أنها محميات طبيعية مغلقة.

وفي محاولة للفت الأنظار إلى مصادرة أراضيهم واقتلاع أشجارهم، أقام رجال دين صلوات خاصة في الأيام الماضية على أراضي بئر عونة.

وقال رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنّا إن الهجمة الإسرائيلية تستهدف وحدة الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين على أرضهم. وأضاف أن الاحتلال يستهدف شجرة الزيتون التي ترمز للسلام والمحبة وتضرب جذورها في الأرض مؤكدة هوية وعروبة المكان.

المصدر : الجزيرة