يعتبر بعض المراقبين في لبنان أن المظاهرتين اللتين شهدتهما بيروت السبت والأحد الماضيين كانتا بداية "ربيع لبناني" حيث غابت عنهما الشعارات الطائفية والطبقية، وتوحدت فيهما مطالب المحتجين برفع شعارات متفق عليها، في وقت يرصد البعض ثغرات بالاحتجاج منها سوء التنظيم.

حسن الحاف-بيروت

جاءت المظاهرتان الحاشدتان بشوارع بيروت السبت والأحد الماضيين من خارج السياق السياسي العام الذي حكم لبنان خلال السنوات الأخيرة، فالتنوّع الطائفي والطبقي الظاهر فيهما، فضلاً عن رفعهما مطالب معيشية غير مسيسة، دفع بعض المراقبين إلى القول إنهما بداية "ربيع لبناني" طال انتظاره.

ويستدل المراقبون على ذلك بما تعرّض له المتظاهرون من "قمع عنيف" أمام مجلسي النواب والوزراء، فضلاً عن دخول "عناصر مدسوسة" غايتها حرف التحرك عن غاياته الأصلية.

وقد دفع هذا العنف حملة "طلعت ريحتكم" الداعية للتحرّك إلى إصدار بيان ليل الأحد الاثنين، أعلنت فيه إرجاء تحركها المزمع أمس، ثم عقدت مؤتمراً صحفياً دعت فيه "إلى النزول يوم السبت عند الساعة السادسة مساء في مكان يعلن عنه لاحقاً لإسقاط مناقصات النفايات" ومحاسبة المسؤولين عما جرى السبت والأحد.

في المقابل، أصر جزء من المشاركين بالتحرك، وبالتحديد من المجموعات اليسارية، على تنظيم مظاهرة تحت عنوان "بدنا نحاسب" انطلقت من أمام قصر العدل وبلغت ساحة رياض الصلح وسط بيروت.  

غياب المرجعية
ويقول الناشط السياسي المستقل المشارك بالمظاهرات حسان الزين إن "التحرك الاحتجاجي في نهاية الأسبوع الماضي أقلق كل أطراف السلطة دون استثناء، فراحت تتواصل مع بعض المنظّمين، دون جدوى، من أجل تجيير التحرك لمصلحتها، ورفعها كورقة ضغط في مواجهة بعضها".

الزين: التحرك أقلق كل أطراف السلطة دون استثناء (الجزيرة)

ويشرح للجزيرة نت أن التحرك يتألف من مجموعات سياسية متنوعة، لا مرجعية لها في السلطة، وعلى رأسها مجموعة "طلعت ريحتكم" المشكّلة من أفراد محترفين في العمل الاحتجاجي وفي وسائل التواصل الاجتماعي. كما يضم الحركة البيئية اللبنانية المتحالفة مع حملة إقفال مطمر الناعمة (20 كلم جنوب بيروت) إلى جانب مجموعات المجتمع المدني العلمانية، واتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، وحركة الشعب اليساريين، وغيرهم من المستقلين. 

ويرى الزين أن "المجموعات كلها تتألف من شبان وشابات يحتجون على سلوك الطبقة السياسية برمتها، ويطالبون بنظام جديد، إنما من دون أن يبلوروا رأيا سياسيا موحدا". 

ويضيف أن المؤتمر الصحفي الذي عقده صباح أمس رئيس الحكومة تمام سلام ودعوته المتظاهرين إلى الحوار، يثبت أن الحكومة "غير قادرة على فعل شيء" وأن مسار الصفقات مستمر، خصوصاً أن مناقصة النفايات رست أمس على محاصصة حزبية طائفية صريحة، وفق قوله.

ويتفق مراقبون مع هذا الرأي، لافتين إلى أن السلطة السياسية تراهن على انهيار الحراك، وأنها تعمل على ذلك، وخصوصاً عبر المدسوسين الذين اتهمهم البعض بأنهم محسوبون على رئيس مجلس النواب نبيه بري، وعبر تدخل النائبين وليد جنبلاط وميشال عون، حيث سعى الأول للضغط في موضوع مناقصة النفايات، والثاني للضغط في موضوع الحكومة، وفق قولهم.       

غندور: مخاصمة التحرك لكل الطبقة السياسية دفعها إلى التضامن ضده (الجزيرة)

ضعف التنظيم
بدوره، يرى الصحفي المتابع لتحركات حملة "طلعت ريحتكم" ثائر غندور أن التظاهر نهاية الأسبوع الماضي شكّل عودة لخطاب مدني لبناني من خارج الاصطفافين القائمين منذ سنوات، إذ طرح عناوين ترتبط بالفساد الداخلي، وبتعطيل العملية الديمقراطية ومؤسسات الدولة.

ويشير غندور إلى أن العنف الذي مورس ضد المتظاهرين السبت دفع الناس للتدفق بحماس أكبر يوم الأحد، نظراً لشعورهم بالثقة ولرفضهم استفراد المتظاهرين برفع شعارات تعني كل اللبنانيين، وفق رأيه.

ويوضح أن اتفاق الناشطين على مخاصمة كل الطبقة السياسية ونجاحها في حشد الكثيرين، دفع السلطة إلى التضامن ضدهم عبر أساليب متنوعة "وذلك لمنعها من كسر ورقة تخويف اللبنانيين من بعضهم، ومن إعطاء الأولوية لمطالب جامعة على حساب المطالب الفئوية".

وهذا لا يلغي، وفق غندور، العيوب التي شابت التحرّك، وخصوصاً ضعف التكوين الحزبي لدى الناشطين، مما أدى إلى ضعف القدرة على التنظيم، وسوء إدارة وضبط الشعارات، والعجز عن منع تمادي الاشتباك مع قوى الأمن، فضلاً عن غياب برنامج سياسي مطلبي واضح.     

المصدر : الجزيرة