تتعدد قصص المشردين والمهجرين من أبناء سيناء، والقاسم المشترك بينها جميعا هو المعاناة التي تبدو موغلة في الأسى إذا جاءت على لسان عجوز سيناوية ناهزت التسعين من العمر تشكو التشرد والجوع والمرض والحرمان.

مني الزملوط-سيناء

حرقوا مسكني وملابسي، وقتلوا الماعز، ولم يتبق لي إلا الثوب الذي أرتديه، ومسكن شديد التواضع عبارة عن كوخ من الحطب أنتظر تعرضه للحرق في أي لحظه، عمري ٩٠ عاما، أرهقتني الحروب، أريد أن أموت في سيناء قبل أن يعود الاحتلال ثانية.. هكذا تتحدث عجوز من سيناء فقدت المأوى والأبناء.

وتعيش السيدة العجوز مع حفيدتين لها في عشة من الحطب على أحد المرتفعات الرملية جنوب الشيخ زويد في شمال سيناء، بعد تدمير منزل ابنها بقرية اللفيتات جنوب المدينة في قصف جوي أتى على المنزل وابنها معا.

وترفض العجوز الرحيل أو التهجير، وتتمسك بالبقاء على قطعة أرض نائية، وسط قليل من المواشي والطيور مصدر قوتها، إلى جانب حمار تركبه حفيدتها لجلب المياه من بئر بعيد.

تقول العجوز إنها استيقظت فجر أحد الأيام على وقع ضجيج حملة للجيش المصري في منطقتهم، ورأت الأهالي يفرون ذعرا، لكنها كانت عاجزة عن أن تفعل مثلهم رغم لهيب النيران التي أشعلها الجنود في عدد كبير من المساكن والعشش (الأكواخ) جنوب الشيخ زويد.

وتتابع والحزن يتملكها "أمرني الضابط بالخروج من العشة ليحرقها، وعندما كنت أرجوه قائلة لا مكان لي غيرها، قال لي إنها أوامر يا أمي، فما كان مني إلا أن قلت "حاضر يا ولدي" خشية أن يتعرض هو للعقاب، وخرجت بثوبي الذي أرتديه ووقعت على الأرض أثناء خروجي من العشة غير قادرة على الحركة، فأنا مريضة".

جانب من الدمار الذي لحق بقرى جنوب الشيخ زويد (الجزيرة)

رفضت العجوز العيش بجوار بئر للمياه تبعد ثلاثة كيلومترات عن مأواها الحالي، حتى لا تكون سببا في هدمه خلال أي هجوم أو حملة للجيش على المنطقة بحثا عن مسلحين، لكن حفيداتها يأتين بالمياه من وقت لآخر إلى عشتها البعيدة.

وعلى قليل من الحطب ووعاء للماء وخبز وشاي تعيش العجوز وحفيدتاها، يفترسهن الخوف من أن يأتي الجنود والمدرعات لتحرق عشتها مرة أخرى بعد أن أقامتها للمرة الثالثة بنفس المكان، وتقول العجوز إنها الوحيدة الباقية في المكان، ولا ترغب في الرحيل، وتتمنى الموت "قبل أن أرى سيناء في حال أسوأ من ذلك أو تدق إسرائيل أبوابها من جديد".

وتضيف العجوز المصرية أنها عايشت حروب سيناء بين مصر وإسرائيل في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ومع ذلك لم تتعرض للإهانة يوما، ولم يهدم مسكنها أو يقتلها التشريد والمعاناة، كما يحدث لها الآن بسبب الحملات المستمرة للجيش بدعوى ملاحقة من يصفهم بالمسلحين والتكفيريين.

ولا يبدو أن المرأة تبالغ في حديثها، فلسان حال قريتي اللفيتات والتومة يؤكد ما ذكرته وأكثر، بسبب الحملات العسكرية عليهما من الجيش بحجة إيوائهما مسلحين، حتى إن المرور فيهما أصبح محفوفا بالمخاطر، فقوات الجيش هناك تستهدف أي سيارة مارة ظنا أنها لمسلحين.

يقول أحد سائقي سيارات الأجرة التي تنقل الركاب إلى منطقة الجورة وجنوب الشيخ زويد "كل يوم يرحل المزيد من الأهالي من محيط الشيخ زويد، والطريق التي تنقلهم غير آمنة، لأنها تقع بين فكي كماشة الجيش من جهة والمسلحين من جهة أخرى، وهو ما يزيد من خطورة الأوضاع".

المصدر : الجزيرة