النهب الواسع لثروات البلاد وتردي مختلف الخدمات والإحباط من إفرازات التغيير المفروض من الخارج، عوامل دفعت شيعة العراق للغضب من سياسييهم ورفع مطالب مدنية بحتة والدعوة للقطيعة مع دولة المحاصصة وتشكيل حكومة تكنوقراط تستجيب لتطلعات المواطنين.

الجزيرة نت-بغداد

يردد المتظاهرون في العاصمة العراقية بغداد والمحافظات ذات الغالبية الشيعية هتافات تندد بالسياسيين الشيعة وتطالب بمحاكمتهم بسبب الفساد المالي والإداري، وضعف الخدمات والرقابة على المشاريع.

ولم يعهد الشارع العراقي انتقادات على هذه النحور منذ عام 2003 عندما هيمنت الأحزاب الشيعية على الحكم في البلاد.

ويقول المتظاهر باسم رحيم للجزيرة نت إنه منذ عام 2003 وحتى الآن وزعت المناصب على الطائفتين السًنية والشيعية والقومية الكردية "ولكن المسؤولين الشيعة لم يخدموا مناطقهم".

ويقول أيضا إن السياسيين الشيعة لا يزورون محافظاتهم إلا قبل الانتخابات بأيام يستجدون أصوات الناخبين، وإنهم لا ينفذون وعودهم بل يصل الأمر إلى الاعتداء على المواطنين في مواكب المسؤولين.

ويضيف أنه من المفترض أن يتم حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة لطرد جميع هؤلاء الساسة واختيار شخصيات تكنوقراط بعيدة عن الطائفية والقومية لبناء البلد.

ويرى أن الساسة الموجودين الآن شّرعوا الفساد وسرقوا العباد خلال الـ12 عاما الماضية.

ويؤكد أن الانتفاضة الشعبية بدأت في محافظة البصرة جنوبي العراق، وانتقلت إلى جميع المحافظات الشيعية ومن ثم إلى العاصمة بغداد.

من جانب آخر، يقول الكاتب السياسي فاضل النشمي إن التظاهرات العراقية مدنية وغير طائفية، "وهذه مسألة مهمة، لأنها تعني أن الشيعة أدركوا فداحة ما قام به ساستهم وقرروا الوقوف بوجههم.

محاكمة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تمثل مطلبا قويا للرأي العام (الجزيرة نت)

ويضيف أن هناك أسبابا أساسية دفعت الشيعة إلى التظاهر ضد الحكومة منها عمليات النهب والفساد واسعة النطاق لثروات البلاد، واستهتار الساسة بالدستور والقانون وكرامة البشر، على حد قوله.

ويوضح أن المظاهرات الحالية تعكس سعي الشيعة إلى امتلاك زمام الفعل الوطني بعد أن خلّف التغيير عن طريق قوة خارجية عام 2003 شعورا بالمرارة.

وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تصف نوري المالكي وعمار الحكيم وغيرهما بعبارات قاسية جداً، وتطالب بمحاسبتهم وإنهاء حياتهم السياسية لأن الشعب العراقي لا يريدهم.

بالمقابل، يؤكد هؤلاء الساسة أن المظاهرات تستهدف رموزهم، وأنهم مستعدون لإنزال جماهيرهم إلى الشارع بعدد يتجاوز المتظاهرين، مطالبين بالقضاء عليها لأنها "ستزعزع استقرار البلاد".

ويقول المتحدث باسم كتلة المواطن التابعة للحكيم، حبيب الطرفي، إن التظاهر حق مشروع للشعوب والدستور يؤكد على ذلك "لكن يجب أن يمارس بشكل قانوني دون المساس بالآخر".

ويرى أن عملية التشهير والشعارات المعادية للسياسيين والرموز الدينية تدل على أن هناك اتجاها معينا للمظاهرات يسيء لبعض الشخصيات الوطنية "وهو أمر مستغرب".

ويقول إن المظاهرات تطالب بالكهرباء بينما "الغريب أنها تهتف ضد شخصية ليست لها علاقة بالملف وتلصق بها التهم" مبيناً أن "هذه التصرفات تدل أنها لا تسير بالطريق الصحيح".

المتظاهرون أطاحوا بمسؤولين وعادوا للمطالبة بمحاكمتهم (الجزيرة نت)

ويشير إلى أن استمرار المظاهرات، خصوصا في ظل الارتفاع المستمر لسقف المطالب "يجعلنا نخشى على البلد من الفوضى الكبيرة".

ولفت إلى أن "الحكومة والبرلمان ليست لديهما عصا سحرية للقضاء على الإرهاب والفساد، بل يتطلب الأمر وضع سقف زمني لتنفيذ المطالب".

بدوره، يقول عضو ائتلاف دولة القانون عدنان السراج للجزيرة نت إن الاحتجاجات الحالية ليست ضد السياسيين الشيعة، وإنما انتفاضة تطالب بتوفير الخدمات والكهرباء وإجراء تعديل على منظومات مجالس المحافظات ومحاربة الفساد.

ويؤكد أن هناك بعض المتظاهرين من المتضررين رفعوا شعارات ضد بعض الشخصيات السياسية والمفسدين، وتم تناولها على مواقع التواصل الاجتماعي "وهذا لا يدل على أن الاحتجاج ضد الحكم الشيعي".

وكان المرجع الشيعي علي السيستاني قال، في تصريح نشر على موقعه الرسمي "إنّ السياسيين الذين حكموا البلاد خلال السنوات الماضية يتحمّلون معظم المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور، وإنّ كثيراً منهم لم يراعوا المصالح العامّة للشعب العراقي بل اهتموا بمصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية والعرقية".

واعتبر السيستاني أن ساسة العراق تقاسموا المواقع والمناصب الحكومية وفقاً لاعتبارات طائفية لا على أساس الكفاءة والنزاهة والعدالة، ومارسوا الفساد المالي وسمحوا باستشرائه في المؤسسات الحكومية على نطاق واسع.

المصدر : الجزيرة