عامان على المجزرة التي لم تختف آثارها بعد، يتداول الضحايا الأحياء خبرها كأنها حدثت أمس، بقليل من الأمل والكثير من الخذلان. فالآثار البعيدة للجريمة تتخطى مجرد رواية التفاصيل لمجزرة جرت تحت بصر العالم الذي تعامل معها كذكرى سيئة وحسب.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

تحاول نسرين أن تتناسى عبارة "الكيميائي"، وتقول إنها لا تزال تتعاطى أدوية الأعصاب، ولا تزال تخشى أن تتزوج وتجهض، أو يأتي مولودها مشوها بسبب ما استنشقته من غاز السارين أثناء مجزرة الغوطة قبل عامين.

وبسبب ظروف الحصار فإن متابعة الحالة الصحية لنسرين تقتصر على جهود أطباء محاصرين يعملون بأقل قدر من التجهيزات الطبية والأدوية.

ورغم أن نسرين تتمتع بصحة جيدة، حسب إفادة أحد الأطباء المشرفين على متابعة التطورات الصحية لها بمشفى الغوطة التخصصي، لا تزال الفتاة -وفقا لوالدها- تعاني نفسيا من آثار الصدمة التي تلقتها قبل سنتين من الآن.

"في بعض الأحيان تفقد نسرين التركيز عند حمل الأشياء وتصاب بحالات ضيق تنفس لم تكن تحصل لها قبل الجريمة، ويقول والد الفتاة، أحد الشهود على مجزرة الكيميائي، إن الأطباء يقولون إنهم لن يستطيعوا تقديم ما هو أكثر في ظل الحصار الذي نعيشه.

وتساءلت نسرين، وهي واحدة من عشرات الضحايا الذين لم يحظوا بعلاجٍ طبي كاف، عن حقيقة تقرير نشرته الجزيرة نت في العام الماضي يتحدث عن تأثيرات غاز السارين المسببة للإجهاض والولادات المشوهة.

"لا أعرف تحديدا ما الذي ينبغي عليّ فعله، لكنني أخشى أن تستمر تلك التأثيرات دون تأمين علاج محدد ينزع عنا كل هذا الخوف"، تضيف نسرين التي تستعد لدخول الجامعة بعد نيلها الشهادة الثانوية هذا العام.

أبو محمد: ما زلنا محاصرين ونتعرض للقصف (الجزيرة نت)

لن ننسى
وتحتل الهواجس المتعلقة بآثار التعرض لغاز السارين حيزا واسعا في حياة من تعرضوا له في سوريا، بعد أن كشف أطباء بمشافي غوطة دمشق عن ارتفاع في حالات الإجهاض وولادات مشوهة بين أطفال ولدوا من آباء تعرضوا لغاز السارين في ٢١ يونيو/حزيران ٢٠١٣.

أبو محمد، الذي كان شاهدا على الجريمة التي حصدت ٦٠٠ من الضحايا، قال للجزيرة نت "إن أسوأ ما حصل لنا في الأيام التالية للجريمة هو أن ينسى العالم أن شيئا لم يتغير، ونحن ما زلنا محاصرين ونتعرض للقصف دون أن نحصل في المقابل على ضمانات بعدم تعرضنا مجددا لقصف كيميائي".

ويضيف أبو محمد "إن القصاص العادل من مرتكبي هذه الجريمة لا يزال أحد أبرز مطالبنا، وللأسف فإن طرح مبادرات الحل السياسي دون معاقبة المرتكبين يعني أنهم سيفلتون من العقاب".

الدمشقي: لن ينجو المجرمون بفعلتهم
(الجزيرة نت)

مخاوف وشكوك
وكان كنان الدمشقي أحد الناشطين الذين عملوا على توثيق مجزرة الكيميائي وشارك زملاءه بغوطة دمشق على إنجاز فيلم وثائقي يتعرض لذكرى المجزرة، وتحدث للجزيرة نت عن شكوكه باحتفاظ النظام بمزيد من الأسلحة المحرمة، بما في ذلك غاز الخردل والكلور، بكميات ليست قليلة.

وذكر الدمشقي أن "بعض المنظمات العالمية تحاول حديثا إيصال أدوية وأمصال مضادة للغازات الكيميائية، ونحن نسألهم هل تتوقعون أن يقصفنا النظام مجددا، دون أن نحصل على إجابة حاسمة".

وختم الدمشقي "عقب الأيام الأولى للمجزرة دخل فريق أممي لتقصي الحقائق، وكان العالم يدين بغضب ما حصل لأهلنا، ما تغير اليوم هو أن العالم يحثنا على تسوية سياسية مع المجرمين أنفسهم، لا يمكن لأحد منا أن يقبل اليوم أو غدا بشخص أعطى أوامره لقصفنا، لن ينجو المجرمون بفعلتهم".

المصدر : الجزيرة