السجون الإسرائيلية واحدة من ساحات الصراع بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، يخوضها الأسرى الفلسطينيون بأمعائهم الخاوية، وبعد عشرات الأيام من الألم والمعاناة ومقاومة ضغوط وإغراءات الاحتلال تنتصر إرادة الحرية. بعض من خاضوا هذه التجربة يروون للجزيرة نت كيف عاشوا تلك المحنة.

ميرفت صادق-رام الله

"منذ الأيام الأولى لإضرابي عن الطعام، بدأت بتلقي تهديدات من المخابرات الإسرائيلية بتركي أموت جوعا، أو بقتلي بعد الإفراج عني، وبعد 130 يوما استجابوا لمطلبي بالإفراج". هكذا يتذكر الأسير الفلسطيني المحرر أيمن حمدان تجربته في الإضراب عن الطعام احتجاجا على اعتقاله الإداري. وقد قضى تسع سنوات بسجون الاحتلال في اعتقالات متعددة، منها خمس سنوات في الاعتقال الإداري دون تهمة.

ولجأ حمدان (34 عاما) وهو من مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، للإضراب عن الطعام 130 يوما ربيع العام الماضي، مستفيدا من تجارب أسرى سبقوه وحققوا حريتهم رغم تعرضهم لخطر الموت بسبب طول فترة إضرابهم.

الجزيرة نت التقت حمدان أثناء مشاركته بمسيرة في رام الله لدعم إضراب الأسير الفلسطيني محمد علان والمستمر منذ شهرين، وشاركه أسرى محررون خاضوا تجربة الإضراب الطويل عن الطعام في سجون إسرائيلية حتى وافق الاحتلال على الإفراج عنهم.

ويروي حمدان للجزيرة نت تجربته بالإضراب عن الطعام والتحولات التي تطرأ على جسد الأسير مع تقدم أيام إضرابه عن الطعام، وتعامل الاحتلال الإسرائيلي مع الأسرى المضربين. 

ومما قاله "أتذكر نفسي حين كنت في اليوم الستين للإضراب كما هو علان اليوم، كنت فقدت القدرة على الحركة تماما، وأعاني من دوران بشكل كبير، وأشعر بضباب في العينين ولا أرى جيدا، وأشعر بشحنات كهربائية واصطكاك في الأسنان. وكان بإمكاني عد عظامي بعد أن انخفض وزني من 87 إلى 52 كيلوغراما".
الأسير السابق أيمن حمدان خاض إضرابا عن الطعام لـ130 يوما (الجزيرة)

تهديدات بالقتل
ورغم أن حمدان كان يلجأ أحيانا إلى قبول تناول الفيتامينات عند تعرضه لضعف في عضلة القلب، فإنه كان يتناول الماء والملح فقط في أغلب أيام إضرابه. وبسبب تدهور وضعه الصحي، قضى أكثر من شهرين في مستشفى صفد مقيد الأيدي والأرجل، مع زيارات قليلة كما قال لمندوب الصليب الأحمر.

ويتذكر كيف كان يتعرض غالبية الأسرى المضربين عن الطعام لتهديدات من المخابرات الإسرائيلية وضباط مصلحة السجون، مع عروض بالإفراج فورا في حال وافق الأسير على الإبعاد خارج البلاد.

وقال "تبدأ التهديدات من اللحظة الأولى لإعلان الإضراب أقلها التهديد بالقتل أو إعادة الاعتقال بعد الإفراج، كانوا يقولون لنا ستخسرون حياتكم وتسوء حالتكم الصحية ولن نفاوضكم".

وبطرق أخرى، كان السجانون يلجؤون إلى وضع الطعام يوميا بجانب الأسير للضغط عليه كي يفك إضرابه. وقال حمدان" كل يوم خلال شهرين ونصف في المستشفى، كانوا يضعون كل ما تشتهي الأنفس على السرير بجانبي كي أضعف، وقد هددوا بإطعامي قسرا عدة مرات".

السجون الإسرائيلية ساحة للصراع بين الاحتلال ومقاوميه (الجزيرة)

رفض الإبعاد
أما المحرَر يونس الحروب الذي خاض إضرابا صعبا لم يتناول فيه سوى الماء والملح لمدة أربعة وستين يوما، فقال للجزيرة نت إن "أي إنسان يصل لهذه المرحلة بدون موت فقد حقق اختراقا كبيرا في الجدار الذي يفرضه الاحتلال عليه لكسره".

ويذكر الحروب، وهو من منطقة الخليل جنوب الضفة الغربية "بعد اليوم الستين، كنت أعاني ألما شديدا في المفاصل، وأقع في غيبوبة متقطعة، مع أوجاع في كافة أنحاء الجسد".

لكن المراحل الأصعب خلال الإضراب، تبدأ منذ أيامه الأولى، يقول الحروب "في الأسبوع الأول يتعرض الجسد لصدمة الجوع، ويعاني الأسير من صداع شديد وألم في المفاصل وهزال عام في الجسد".

وبعد اليوم العاشر، يبدأ الجسد بالتأقلم مع الجوع حتى فترة الشهر، لكن مع تراجع القدرة على الوقوف والحركة مع تقدم الأيام.

وعلى أبواب الأربعين يوما، يقول الحروب "يدخل الأسير المضرب في وضع الخطورة الحقيقية، وفي اليوم الخمسين يكون الأسير قد فقد أكثر من عشرين كيلوغراما من وزنه، وتضعف أعضاؤه ووظائف جسمه، وبعد ذلك تكون المرحلة الأسوأ على الإطلاق، وقد يموت فيها الأسير في أي لحظة".

 محررون فلسطينيون يحملون صورة الأسير المضرب عن الطعام محمد علان (الجزيرة)

الإضرابات ستتسع
وتلجأ مخابرات الاحتلال لمفاوضة الأسير بعد يوم إضرابه الأربعين، كما حدث مع الحروب، وكذلك مع أسرى آخرين كالشيخ خضر عدنان في تجربتي إضرابه عامي 2012 و2015.

يقول الحروب "عرضوا عليّ الإبعاد إلى غزة مقابل الإفراج عني، ورفضت هذا المبدأ لأنني عرضت حياتي للخطر من أجل العودة إلى بلدي وعائلتي".

ويُعرَض الإبعاد على معظم الأسرى الإداريين مقابل الإفراج عنهم بدون تمديد اعتقالهم، ولكن مع المضربين عن الطعام يقدم كحل لهم قبل أن تحتل قضاياهم أولوية الرأي العام.  لكن هذا العرض تحديدا لم يقدم للشيخ خضر عدنان، أشهر الفلسطينيين الذين بدؤوا الإضرابات الفردية ويسميها هو "الإضرابات النخبوية".

يقول عدنان الذي رفض الكلام والطعام في إضرابه الأول، وطالب بالإفراج الفوري في إضرابه الثاني، إن إضراب الأسير محمد علان يكسر الاحتلال محليا ودوليا كما فعل من قبله.

ويعتقد عدنان أن الإضرابات النخبوية رغم تعنت الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع علان، وتركه يصل إلى مرحلة شديدة الخطورة، ستتسع وتعيد تنظيم وقوة الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، كما أنها ستحرك الشارع الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة