يعتقد سياسيون في سريلانكا أن الانتخابات التشريعية التي جرت اليوم تأتي في سياق النبذ الشعبي لحالة التفرقة العرقية والتطرف الديني التي أطاحت بها الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأن المجتمع السريلانكي تعالى على الدعوات لإثارة هذه النعرات القاتلة.

سامر علاوي-كولومبو

يرى كثيرون في الانتخابات التشريعية الـ15، التي جرت اليوم في سريلانكا، استمرارا للانتخابات الرئاسية التي عقدت في يناير/ كانون الثاني الماضي، والتي وصفها المرشح الحالي والعضو السابق بالبرلمان منو غنيشين بأنها "ثورة صامتة أطاحت بنظام راجابنكسا القائم على التفرقة والتمييز العرقي والتطرف الديني".

وبرأيه فإن التمييز والتفرقة "نبذتها الغالبية السنهالية في الانتخابات الرئاسية" وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء الحالي رانيل فيكراماسينها الذي اتهم الرئيس السابق "باستغلال قيادات دينية بوذية لإثارة التطرف الديني والعرقي".

وقال فيكراماسينها، في تصريحات خاصة بالجزيرة نت، إن راجابنكسا حاول إثارة البوذيين من خلال تهديد المعابد بالقنابل وإهانتها بتنظيم سباق سيارات في محيط معبد أسنان بوذا أكثر المعابد الهندوسية قدسية، وإثارة النعرات بين مختلف الأديان والعرقيات، لكن حكمة القيادات الدينية في البلاد من بوذيين ومسلمين على وجه الخصوص إضافة إلى قيادات في الشرطة حالت دون خروج الموقف عن السيطرة، وأعادت الأمور إلى نصابها في انتخابات سلمية في يناير/كانون الثاني الماضي.

ودافع رئيس الوزراء السريلانكي عن الأقلية المسلمة في البلاد لاصطفافها التاريخي مع القضايا الوطنية، وقال إن المسلمين تحملوا كثيرا من الأذى على أيدي المتمردين التاميل، حيث أخرجوا من ديارهم في الشمال (منطقتي جفنة ومنار). ووصف المسلمين بأنهم حراس مؤتمنون في عهود ملوك سريلانكا، وقفوا دائما إلى جانب الجيش الوطني، وما يقال غير ذلك محاولات لإثارة النعرات الدينية لأهداف انتخابية.

رئيس الوزراء السريلانكي دافع عن مواقف المسلمين التاريخية والوطنية (الجزيرة)

مجتمع منسجم
ويؤكد العديد من المراقبين السياسيين أن ما يميز الانتخابات السريلانكية الحالية هو سلميتها. ووصف مدير منظمة حقوق الإنسان في سريلانكا محمد رزال محمد عظيم أجواء الانتخابات بأنها مثالية مقارنة بانتخابات سابقة أجريت في أجواء حرب أهلية وتوتر أمني.

وقال عظيم إن "الرئيس الحالي سيريسينا يراعي جميع مكونات المجتمع من بوذيين ومسلمين وهندوس ومسيحيين، ويؤكد على ضرورة توفير الأمن لأتباع جميع الديانات دون تمييز، وإن رئيس الوزراء يتبنى نفس الموقف ويدعم توجهات السلام والانسجام المجتمعي".

أما المرشح منو غنيشين فقال إن الأجواء السلمية أبرز ما يميز العملية الانتخابية اليوم، حيث تعقد في أجواء خالية من الحرب أو التوتر الأمني، الذي ساد انتخابات 2010 بعد عام واحد من حسم الحرب مع منظمة نمور التاميل في الشمال.

وقد استبعدت مفوضية الانتخابات السريلانكية وقوع اضطرابات أو خلل في النظام الانتخابي، وقال رئيس المفوضية ماهيندا ديشيبري للجزيرة نت إن التحدي الوحيد الذي واجهته العملية الانتخابية هو قصر مدة التنظيم، التي لم تتجاوز خمسة أسابيع، وهي المدة الأقصر في تاريخ الانتخابات السريلانكية وفق الدستور واللوائح الانتخابية.

وأضاف ديشيبري أن "الحكومة والأحزاب تعهدت بعملية انتخابية سلسة يعززها وعي انتخابي لدى المنظمين والجمهور والمتنافسين، حيث تعقد الانتخابات في سريلانكا بشكل سنوي".

 منو غنيشين: الانتخابات ثورة صامتة أطاحت بنظام راجابنكسا القائم على التفرقة والتمييز (الجزيرة)

انتخابات سلسة
وقد أعربت الحكومة عن رضاها عن سير العملية الانتخابية، وقالت في بيان صحفي إن استخدام جهاز الدولة لصالح جهة انتخابية معينة في حده الأدنى. بينما قال فريق من المراقبين للجزيرة نت بعد تفقده عدة مراكز اقتراع بالعاصمة كولومبو إنه لم يشاهد أية خروقات واضحة في العملية الانتخابية، بينما رفض التعليق على سير العملية الانتخابية في مجملها بانتظار تقارير المراقبين من جميع أنحاء البلاد.

وأعرب الرئيس السريلانكي مايْثريبالا سيريسينا عن أمله في أن يتمكن تحالفه الحزبي "الجبهة الوطنية المتحدة" من تحقيق غالبية تمكنه من إلغاء التعديلات الدستورية التي أجراها سلفه راجابنكسا ومنحت الرئيس صلاحيات واسعة وصفها سيريسينا بالكارثية، إضافة إلى سعيه إجراء اصلاحات اقتصادية وسياسية واسعة.

ويتم في الانتخابات التشريعية الحالية انتخاب 196 عضوا بشكل مباشر في البرلمان الذي يتشكل من 225 عضوا، ويتم اختيار المتبقين بالتمثيل النسبي للأحزاب وفق عدد الأصوات التي يحصل عليها كل حزب.

ويحق لأكثر من 15 مليون سريلانكي (من بين عشرين مليونا مجموع السكان) الاقتراع في هذه الانتخابات البرلمانية الـ15 التي تعقد في البلاد منذ استقلاها عن التاج البريطاني عام 1948، وأشرف على هذه الانتخابات أكثر من 75 ألف رجل شرطة، وأكثر من 150 ألف موظف حكومي.

المصدر : الجزيرة