بينما ترى الحكومة التونسية أن عزل بعض أئمة المساجد يأتي في إطار محاربة الإرهاب وتحصين الشباب من ثقافة الكراهية والعنف، يرى الطرف الآخر أن هذا التوجه يؤشر للعودة إلى حقبة خنق الحربات والهيمنة على المنابر.

خميس بن بريك-تونس

أزمة عزل أئمة المساجد في تونس باتت تعمق مخاوف بعض الأوساط من عودة المنظومة القديمة للسيطرة على الخطاب الديني في البلاد.

وبلغت هذه الأزمة ذروتها بعد استبعاد وزير الشؤون الدينية السابق نور الدين الخادمي من الإمامة قبل أيام.

وتفاجأ الخادمي بقرار استبعاده بسبب سماحه لقناة الجزيرة مباشر بتصوير عيد الفطر الماضي من جامع الفتح وسط العاصمة تونس من دون ترخيص.

وقال الخادمي إنه أصبح يخشى من انتكاسة الحريات الدينية في تونس بسبب تواصل عزل الأئمة، مؤكدا أن وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ خالف القانون باستبعاده لأنه لم يمنحه حق الرد ولم يتدرج في اتخاذ العقوبة.

وأكد أنّ عزله على خلفية نقل خطبة عيد الفطر الماضي من قبل قناة الجزيرة مباشر "أمر يتعارض مع حرية التعبير بعد الثورة ويتعارض مع سماحة الإسلام بالبلاد"، واستنكر ما اعتبره "عدم تناسب العقوبة المتخذة مع الفعل".

ورغم أن البعض رحب بقرار عزل أئمة وغلق مساجد، فإنّ هناك قلقا من الإجراءات التي شرعت وزارة الشؤون الدينية في اتخاذها ضمن سياسة الحكومة في "ترشيد" الخطاب الديني تحت ذريعة محاربة التشدد والإرهاب.

 الخادمي (يمين) وتليش اعتبرا عزلهما سلوكا سياسا غير قانوني (الجزيرة نت)

تصفية حسابات
وقد عبّر شهاب الدين تليش -أحد الأئمة الذين عزلوا حديثا- عن استنكاره الشديد لهذه القرارات، مبينا أنها "تأتي في إطار تصفية حسابات سياسية لتعبيد الطريق أمام سيطرة المنظومة القديمة على الخطاب الديني".

وقد أكد تليش -وهو أمين عام المجلس الوطني للأئمة وأطر المساجد بنقابة المنظمة التونسية للشغل- أن الأسس التي بنت عليها الوزارة قرارات العزل وغلق المساجد "لم تحترم لا الدستور ولا قوانين البلاد".

وقال للجزيرة نت إن مجلسه سيرفع قضية إلى المحكمة الإدارية ضدّ وزارة الشؤون الدينية التي اعتبر أن قراراتها "متعسفة وأخذت أبعادا سياسية مبالغا فيها بهدف تقييد حرية تعبير الأئمة وتكميم أفواههم وإرضاخهم إلى السلطة".

ولطالما اتهمت أوساط دينية الحكومة بالتضييق على الحريات الدينية، خصوصا بعد سيطرتها على جامع الزيتونة وغلق مساجد أخرى وعزل أئمة ورموز دينية بارزة على غرار رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عبد اللطيف الوصيف.

وهذا الامتعاض شمل بعض الأوساط السياسية مثل حركة النهضة الإسلامية التي عبرت عن استيائها من إعفاء بعض الأئمة، وانتقد  بعض قياداتها أداء وزير الشؤون الدينية الحالي واعتبروه معاديا للحريات الدينية.

حمدي: توجه الحكومة يصب في إطار ترشيد الخطاب الديني (الجزيرة نت)

استهداف الحرية
ويقول القيادي في الحركة كمال بن رمضان للجزيرة نت، إن توجه وزير الشؤون الدينية الذي عمل في نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي "يتسم بالعداء للحرية الدينية وللأئمة المعروفين باستقلاليتهم واعتدالهم واستقامتهم".

وأكد أن "سعي" الوزارة للهيمنة على القطاع الديني يضعف من مصداقية الحكومة في مواجهة الإرهاب، معتبرا أن عزل الأئمة "قرار غير موفق قد يغذي النقمة لدى بعض الشباب المتدين والذين يرفضون التوجيه الديني".

في المقابل، يرى القيادي في الجبهة الشعبية زهير حمدي أن توجه الحكومة يصب في إطار مواجهة الإرهاب وترشيد الخطاب الديني "واستعادة بعض المساجد المنفلتة وعزل أئمة يبثون خطبا تكفيرية وتحريضية".

من جهته، رحب الناطق باسم نقابة أئمة المساجد التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل فاضل عاشور بعزل أئمة على غرار الخادمي، حيث اتهمه "ببث خطاب تكفيري متشدد وتحريض الشباب التونسي على السفر للقتال بسوريا".

ولم يبد عاشور أي مخاوف من عودة الهيمنة الحكومية على الخطاب الديني، مؤكدا أن "الأئمة الذين يرفعون أصواتهم بوجود تضييقات على الحرية الدينية هم في الأصل مساهمون في نشر الخطاب الديني المتطرف في البلاد".

المصدر : الجزيرة