لم تكن حادثة إسقاط كتائب القسام بغزة الطائرة بدون طيار الإسرائيلية مجرد حادثة عسكرية عابرة، فقد قرأها خبراء تقنيون وعسكريون على أنها مرحلة جديدة في إطار صراع المقاومة والاحتلال، حيث سيحد من استخدام إسرائيل لهذه الطائرات في غزة.

أيمن الجرجاوي-غزة

يصف خبراء عسكريون وتقنيون تمكّن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة من الاستيلاء على طائرة استطلاع إسرائيلية، وإدخالها في دائرة الخدمة لديها، بـ"الإنجاز النوعي الذي يقابله إخفاقات إسرائيلية على عدة مستويات".

وأعلنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الأربعاء في بيان لها عن استيلائها على طائرة استطلاع إسرائيلية من نوع "سكاي لارك1"، وإجراء الفحوصات الأمنية والفنية عليها، وتفكيكها، ودراسة أنظمها وتقنياتها. وأنها أعادت تركيب الطائرة، وأدخلتها الخدمة العسكرية لديها، ووصفت ذلك بـ"الإنجاز التقني".

وتخوف الجيش الإسرائيلي -وفق ما نقلت عنه مواقع إسرائيلية- من امتلاك المقاومة نُظما لاعتراض الطائرات بدون طيار، قائلا إنه يتفحص ما أعلنته المقاومة. ويعتمد جيش الاحتلال على الطائرات بدون طيار في عمليات التصوير والرصد والاغتيال، وقضى عشرات المقاومين الفلسطينيين بصواريخها، كان أحدهم نائب القائد العام للقسام أحمد الجعبري.

تكنولوجيا معقدة للتحكم بالطائرة تمكنت كتائب القسام من اختراقها وإنزال الطائرة (الجزيرة)

آلية العمل
وتعمل طائرات الاستطلاع بالنظام الرقمي (ديجيتال)، والذي يعتمد على عدد كبير من الشفرات لتلافي اختراقه، وفق المهندس المختص بالاتصالات اللاسلكية عبد الوهاب العطل.

ويقول العطل للجزيرة نت "الدخول إلى هذا النظام، وفك شفراته، وإعادة برمجته لاستخدامها، ومن ثم محاكاته أمر معقد جدا، ولا يقوم بذلك إلا أشخاص يتمتعون بكفاءات عالية".

ويوضح أن تلك الطائرات تعمل على موجتين: الأولى صاعدة تتلقى من خلالها الأوامر من قاعدة التحكم، والثانية هابطة تزود عن طريقها القاعدة بمعلومات حصلت عليها. ويعتقد أن المقاومة عملت كـ"طرف ثالث"، إذ بثّت بعض الأوامر (تشويش) على نفس التردد الصاعد، وأحدثت إرباكا بعمل الطائرة، وهو ما أدى لسقوطها.

ويستلزم المقاومة عند القيام بذلك (طرف ثالث) أجهزة متطورة لمعرفة الترددات التي تعمل عليها الطائرات، بالإضافة لجهاز طاقة ترسل من خلاله أوامرها، وقدرة على التحكم بهذه الطاقة، وفق العطل.

ولا توجد تقنيات التشويش على الطائرات المسيّرة -كما يوضح المهندس- إلا في دول كبرى كـروسيا، والولايات المتحدة الأميركية، لكنه يعتقد أن المقاومة حاولت إيجاد بدائل من خلال عمليات التجريب، وتمكنت من الحصول على بعض الأجهزة لتساعدها بذلك.

ورغم الخبرة التي يتمتع بها العطل في مجال الاتصالات اللاسلكية المدنية، فإنه يجد صعوبة بتفسير تمكن المقاومة من التغلب على الأنظمة الإسرائيلية، وهو ما دفعه ليصف ذلك بالعمل "النوعي جدًا".

وتُعد إسرائيل من أكثر الدول تطورًا بمجال صناعة الطائرات العسكرية بدون طيار، وهو ما دفع العديد من الدول لتوقيع اتفاقات لشراء بعضها.

كتائب القسام تمكنت من تفكيك وإعادة تركيب الطائرة لاستخدامها في مهامها العسكرية  (الجزيرة)

إخفاقات عديدة
لكن اللواء المتقاعد واصف عريقات يقول إن تمكن المقاومة من الاستيلاء على الطائرة، واستخدامها لصالحها يشير إلى أن الاحتلال وقع بإخفاقات عديدة لم يحسب حسابها.

ويوضح أن تلك الإخفاقات بدأت باعتبار الاحتلال المقاومة عاجزة عن القيام بذلك، مرورًا بـ"إدارة الظهر" للمعلومات الاستخبارية بشأن تطور صناعة المقاومة للأسلحة، وهو ما يعد إخفاقا أمنيا قد يؤدي لخلافات بين القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.

وعن تأثير هذه الخطوة على مجريات أي معركة مقبلة، يقول عريقات -عبر الهاتف من رام الله- للجزيرة نت "حينما تشعر إسرائيل بأن هناك إمكانية لإسقاط تلك الطائرات، ستحجم عن استخدامها، وستحسب ألف حساب لذلك".

وبالإضافة للتبعات العسكرية والسياسة، فإن تبعات اقتصادية ستترتب على ذلك -وفق عريقات- بالنظر إلى اعتماد السوق الاقتصادي الإسرائيلي على تجارة الأسلحة المتطورة.

ويضيف "إسرائيل تسوّق أسلحتها على اعتبار أنها متفوقة لا يمكن اخترقها، ولكن حين يخترقها الفلسطينيون فإن ذلك سيؤثر على تسويق تلك المنتجات، وبالتالي على الاقتصاد".

وعدا التأثيرات الملموسة، فإن إنجاز المقاومة له مردود معنوي "إذ يثبت أن كل شيء له نهاية بالنسبة لإسرائيل، وأن العقول الفلسطينية لا تقل عن الإسرائيلية من حيث القدرة على التطوير واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وهي أيضا تقوية للدفاع الفلسطيني"، كما يقول الخبير العسكري.

وفي العالم الافتراضي، وجد إعلان القسام صدى كبيرا، إذ أطلق نشطاء وسما باسم "#القسام_شباب_مبدع"، أبدوا فيه إعجابهم بما وصفوه "الإنجاز التاريخي"، بأكثر من عشرة آلاف تغريدة.

وخلال العدوان الأخير على غزة تمكنت القسام من اختراق بث فضائيات إسرائيلية، وبثت رسائل داعمة للمقاومة، كما اخترقت حسابات إلكترونية للجيش بثت من خلالها رسائل تهديد.

المصدر : الجزيرة