مارست الصوفية الدينية بين السودانيين دورا سياسيا منذ حقبة الاستعمار والانفصال عن مصر، ثم الانقلابات العسكرية والسعي للمشاركة في العملية السياسية، وصولا لمواجهة الأفكار التكفيرية.

عبد الرحمن أبو الغيط-الخرطوم

لم تحظ الصوفية بمكانة كبيرة في قلوب الناس في أي بلد عربي كما هي في السودان، فحضورها كبير داخل المجتمع، ولكل طريقة مدارسها ومؤسساتها الخيرية والاجتماعية ومريدوها.

ولم يقتصر الحضور الصوفي في السودان على الجانب الديني فقط، فلها تاريخ سياسي حافل، تجلى في مقاومة الاستعمار والاستقلال عن مصر، ومناهضة الانقلابات العسكرية.

ويرى سياسيون أن الصراع الفكري والتاريخي الطويل بين المهدية (الأنصار) والختمية (أتباع الشيخ علي الميرغني) أسهم في دفع الطائفتين للمشاركة في العملية السياسية، فأسس أنصار الإمام محمد أحمد المهدي زعيم الثورة المهدية حزب الأمة، كما أسس أتباع الطريقة الختمية الحزب الاتحادي الديمقراطي. 

آدم يوسف:
عندما انطلقت الثورة المهدية وحررت الخرطوم كان رجال الطرق الصوفية المختلفة أمراء بجيش المهدية

مواجهة الاستعمار
"نشأت حركة الأنصار في البداية كطريقة صوفية، وتحولت لحركة إصلاحية دعوية جهادية، دعت الناس للثورة ضد المحتل وإحياء الإسلام في النفوس". بهذه الكلمات بدأ آدم أحمد يوسف نائب الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار حديثه للجزيرة نت.

وأضاف "عندما انطلقت الثورة المهدية وحررت الخرطوم كان رجال الطرق الصوفية المختلفة أمراء بجيش المهدية، ثم اختفت الطرق الصوفية على مدى ثلاثة عقود خلال حكم المهدية، وعندما جاء الاستعمار البريطاني، وقضى على الدولة، حاول دفع المهدية للتنازل عن الحركة والعودة إلى الطريقة الصوفية، لكن الإمام عبد الرحمن المهدي رفض ذلك".

وشدد يوسف على أن حزب الأمة استطاع بنضاله ضمان استقلال السودان من الاحتلال الإنجليزي والسيطرة المصرية، كما نجح في توحيد الكثير من السودانيين تحت رايته، فأنصاره ينتشرون في ولايات الخرطوم وكردفان ودارفور والنيل الأزرق والجزيرة وكسلا، والحزب يعمل جاهدا على عودة الديمقراطية للبلاد.

الميرغني مساعد:
"
الأحزاب الصوفية تسعى لمواجهة أفكار تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من الأفكار التكفيرية التي بدأت تظهر على الساحة السودانية

إنجازات عدة
ومن جانبه، أكد عضو الهيئة القيادية للحزب الاتحادي الديمقراطي الميرغني حسن مساعد أن الحزب الاتحادي يعد من أقدم الأحزاب السياسية السودانية، التي تشكلت بعد مؤتمر الخريجين، "وهدفه الأول سلام السودان وشعبه والوصول لاستقلاله ووحدته مع مصر، بجهود السيد علي الميرغني قائد الطريقة الختمية، وقيادة الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري".

وأضاف للجزيرة نت أن الحزب حقق الأغلبية عام 1953 التي مكنته من رئاسة الوزراء، وأعلن زعيمه إسماعيل الأزهري الاستقلال من داخل البرلمان عام 1956، وبعد ذلك بسنوات جاء انقلاب إبراهيم عبود وألغى الأحزاب السياسية.

وشدد مساعد على أن أبرز إنجازات الحزب بعد الاستقلال مبادرة السلام السودانية بين زعيم الحزب والطريقة الختمية الشيخ محمد عثمان الميرغني وزعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان الراحل جون قرنق عام 1988، والتي صادق عليها البرلمان، قبل أن يتم تجميدها بعهد حكومة الإنقاذ.

وأشار إلى أن الأحزاب الصوفية تسعى لمواجهة أفكار تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من الأفكار التكفيرية التي بدأت تظهر على الساحة السودانية، "لأنها ترفض التعصب الديني بكل صوره، وترغب في تحقيق ونشر سماحة الإسلام".

وأردف مساعد "الطرق الصوفية حمت السودان أخلاقيا، وأسهمت في استقلاله، وتسعى حاليا للتعاون مع كل الأحزاب لتحقيق النظام الديمقراطي والحرية والعدالة للجميع".

الأمين: دخول الصوفية السياسة أسهم في جمع شتات السودانيين (الجزيرة)

صراع تاريخي
وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم محمد نوري الأمين "منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي بدأ أثر التعليم الحديث يظهر في السودان، عندما تحرك خريجو الجامعات وأطلقوا مؤتمر الخريجين عام 1938 كمبادرة للمطالبة بإنهاء الاستعمار الإنجليزي والسيطرة المصرية".

وأضاف للجزيرة نت "في تلك اللحظة كان هناك صراع فكري وتاريخي بين الطائفة الختمية وطائفة المهدي، وقد استشعرتا خطورة مؤتمر الخريجين، فتحركتا لتقسيم الطلاب إلى ختمية أسسوا بالتعاون مع بعض الطلاب اليساريين الحزب الاتحادي الديمقراطي عام 1944، وأنصار أسسوا حزب الأمة عام 1945".

وأوضح أن دخول الصوفية الحياة السياسية أسهم في جمع شتات السودانيين حول راية الصوفية، وكان من الممكن أن يعاني من تشتت وانقسام أكبر وأعقد مما يشهده حاليا لو لم توحده تلك الطرق.

وتابع أن هذه الإيجابية سلبية في حد ذاتها، لأنها أعطت فرصة لرئيس الطائفة للتحكم في الحزب التابع له، وأن تنتقل القيادة بالوراثة، "كما أن نجاح الانقلابات العسكرية الثلاثة في السودان تم بتأييد قيادة الطائفتين حرصا على استمرار مصالحها".

المصدر : الجزيرة