يتعثر الحوار السياسي بموريتانيا بين الحكومة وأحزاب المعارضة قبل أن يبدأ، وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين بعرقلة انطلاقه. فالمعارضة تشترط التوافق على عدد من الممهدات "الضرورية للتأسيس لحوار مثمر". في حين تؤكد الموالاة تقديمها ما يكفي من التنازلات.

أحمد الأمين-نواكشوط


سبعة أشهر مرت منذ أعلن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز استعداده "التام لحوار شامل" دون سقف أو شروط مسبقة، في خطوة رحبت بها المعارضة وعبرت عن استعدادها للتجاوب معها، لكنها أرفقت ترحيبها بجملة من النقاط سمتها "ممهدات" اعتبرت تحقيقها ضروريا لانطلاقه.

ورغم إبداء الطرفين رغبتهما بالحوار، بات تبادل الاتهامات بعرقلته "لازمة" في دراما السياسة الموريتانية، التي يرفض كل أبطالها الظهور بمظهر الرافض لحوار ترى فيه المعارضة السبيل الوحيد للخروج مما تسميه أزمة سياسية، ويعتبره مراقبون كثر ضرورة لـ"تطبيع" الحياة السياسية في البلاد.

الحوار الذي لم ينطلق حتى الآن يفترض أن يناقش قضايا سياسية، تشمل الضمانات القانونية لشفافية الانتخابات، ومراجعة بعض النصوص المتعلقة بهيكلة هيئات الإشراف عليها إداريا وقضائيا، فضلا عن تفعيل نصوص أخرى تنص على حياد الجيش وبعض الأجهزة والهيئات، التي ترى المعارضة أن تدخلها في الحياة السياسية يفسدها.

ممهدات المعارضة اقترحت العديد من الإجراءات، كان أكثرها إثارة للجدل المطالبة بتصريح رئيس الجمهورية بممتلكاته، وتشكيل حكومة توافقية تحظى بقبول جميع الأطراف، وحل كتيبة الحرس الرئاسي، التي تعتبرها جيشا داخل الجيش يستمد منه الرئيس قوته.

ولد محم: الأغلبية تعاطت بإيجابية مع ممهدات المعارضة وقدمت تنازلات كبيرة (الجزيرة)

معركة التنازلات
وقد اعتبر رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم سيدي محمد ولد محم أن الأغلبية (الموالاة) تعاطت بإيجابية مع بنود ممهدات المعارضة، وقدمت تنازلات كبيرة من أجل انطلاق الحوار، الذي يمثل قناعة راسخة لدى الأغلبية، وفق تعبيره.

وقال ولد محم في مؤتمر صحفي الاثنين إنه "رغم أن النقاط التي تقدمت بها المعارضة كانت في معظمها تعجيزية فقد تعاملنا معها بإيجابية" حيث تم تجاوز الخلاف في مختلف القضايا "باستثناء نقطتين اقترحنا إحالتهما للجنة فنية" ونقطة الحكومة التوافقية التي "اعتبرنا أنها يجب أن تكون جزءا من جدول أعمال الحوار".

ورغم هذه التأكيدات، فإن رئيس وفد المعارضة المفاوض محفوظ ولد بتاح اعتبر "ردود الحكومة دون المستوى ولم تستجب لأهم النقاط الجوهرية الواردة في الوثيقة التي قدمناها".

وقال ولد بتاح، في حديث للجزيرة نت، إن وفد الحكومة والموالاة "رفض الاستجابة للطلب المتعلق بتصحيح وضعية الحرس الرئاسي، متذرعا بأنه جزء من الجيش ويخضع لنظامه، كما رفض تصريح رئيس الجمهورية بممتلكاته ونشرها، وكان ردهم على طلبنا بتشكيل الحكومة التوافقية غير مقنع".

ورغم اللقاءات التمهيدية المتعددة بين الطرفين فلا يزال الحوار يراوح مكانه، ويتبادل الطرفان الاتهام بالمسؤولية عن عرقلته، الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات حول جدية الجانبين في الإقدام عليه.

 ولد بتاح: رد الموالاة على طلبنا بتشكيل حكومة توافقية غير مقنع (الجزيرة)

عوامل ذاتية
ويرى محللون سياسيون أن هنالك جملة من العوامل الذاتية تتحكم في تعاطي الطرفين مع الموضوع "فقراءة الواقع تؤكد أن كلا الطرفين لا يستطيع الظهور بمظهر الرافض للحوار، لكنه في الحقيقة لا يشكل رغبة لأي منهما" وفق تعبير المدير الناشر لصحيفة "بلادي" موسى ولد حامد.

ويضيف ولد حامد في حديث للجزيرة نت أن "الدخول في الحوار الجدي يعني تنازل الأغلبية (الموالاة) عن بعض مكاسبها، وهي غير مستعدة لهذه الخطوة، لذلك فهي ترفع هذا الشعار للإلهاء وقتل الوقت، كما أن المعارضة هي الأخرى لا ترغب في الحوار، لأنه بالنتيجة سيفضي إلى مسار انتخابي، وميزان القوى يؤكد أنها غير قادرة على تحقيق نتائج تمكنها من التأثير في صنع القرار".

أما المدير الناشر لصحيفة "لا تريبين" الصادرة باللغة الفرنسية محمد فال ولد عمير، فيرى أن "غياب الإحساس لدى الأطراف السياسية بجدوى الحوار يعيق انطلاقه، إذ لا يوجد طرف يشعر بأنه يستطيع تحقيق طموحاته من خلاله".

ويضيف ولد عمير في حديث للجزيرة نت أن ضبابية الرؤية لدى النخبة السياسية وعدم تحديد الأهداف يؤثران في تعاطيها مع الشأن العام "وداخل المعارضة، هنالك رؤى مختلفة ومصالح متناقضة لا يوحدها سوى البحث عن السلطة وكراهية ولد عبد العزيز".

ويرى أن "ثقافة الحوار غائبة لدى النخبة السياسية الموريتانية التي هي في أغلبها إفراز مدرسة الحزب الواحد، ورحم الحركات الأيديولوجية القومية العربية والزنجية، وهذا ينعكس في تعاطيها مع موضوع الحوار والقناعة بأهميته وجدواه".

المصدر : الجزيرة