تعتمل في صلب المجتمع التركي نوازع التدين ذي المسحة الصوفية وتطلعات الانتماء للعصر والتفاعل لأبعد مستوى مع إنجازاته في كافة المجالات، وفي خضم تلك النوازع والتطلعات تدور السياسة دورتها الطبيعية ويصوت الناخبون بروح براغماتية لمن يسهم في تحقيق تلك التطلعات.

توفيق عابد-عمّان

قال المؤرخ الأردني علي محافظة إن أغلبية الأتراك متدينون وينتظمون في طرق صوفية، لكن العلاقة القائمة في تركيا بين الدين والسياسة قضية أخرى قائمة على أسس أخرى، إذ يرى الأكاديمي الأردني وليد عبد الحي أن الناخبين يصوتون لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية لدوافع براغماتية، أبرزها الاقتصاد ومواجهة الفساد.

وقال محافظة أثناء أمسية ثقافية نظمها منتدى شومان الثقافي بالعاصمة الأردنية عمّان أمس الاثنين لمناقشة مؤلفه "تركيا بين الكمالية والأردوغانية 1919-2014" إنهم أكثر تدينا منا بسبب الروابط الصوفية.

ويتناول الكتاب التقلبات السياسية التي أدت لانتقال السلطة من حزب الشعب إلى أحزاب أخرى وانقلاب الجيش عليها أكثر من مرة في محاولة للحفاظ على الأتاتوركية (نسبة لكمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة) وإرثها، ويتطرق لصعود الإسلاميين ووصولهم للحكم بقيادة أربكان وعودتهم ثانية بقيادة رجب طيب أردوغان.

تركيا والربيع العربي
وحسب الكتاب، فقد تعاملت تركيا مع ثورات الربيع العربي باعتبارها فرصة ذهبية لعرض نفسها في مركز الثقل وميزان القوى بالمنطقة وحماية الوضع الراهن ومراقبته وعدم التورط في مشاكل سياسية مع الجيران باستثناء سوريا.

وقال الدكتور محافظة إن الجيش التركي مبني على عقيدة علمانية ويعتبر نفسه المدافع والحامي لأفكار مصطفى كمال أتاتورك الذي قطع صلات الأتراك بماضيهم العثماني الإسلامي وربطهم بأوروبا من خلال تقليد الأوروبيين في نظرتهم للدين والالتزام بالعلمانية المعادية للدين مستعينا بطبقة من الموظفين البيروقراطيين من بقايا العهد العثماني.

مناقشة كتاب "تركيا بين الكمالية والأردوغانية" كانت مناسبة لإعادة طرح أسئلة الإصلاح والنهضة (الجزيرة)

ووفق محافظة، فإن علماء الدين بالمساجد هاجموا أتاتورك لقيامه بتصفية التراث العربي الإسلامي، وقال "نحن العرب كرهنا أتاتورك لأنه قضى على الخلافة وانتقم من علماء الدين، معتبرا قيام حركة الإخوان المسلمون عام 1927 ردا على سقوط الخلافة".

ورغم عداء أتاتورك –والحديث للدكتور محافظة- للصوفيين وقمعهم فإن شيوخها وأفرادها شاركوا في حرب التحرير بين 1919 و1923 وساهموا في تحرير أرضهم من جيوش أربع دول هي روسيا وبريطانيا وفرنسا واليونان.

الإسلاميون والتكيف
بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة اليرموك وليد عبد الحي أن الإسلاميين تمكنوا من ترويض القوى السياسية والعسكر على قبولهم في إطار مقايضة التكيف، فقد تصاعدت قاعدتهم الشعبية منذ 2003 وحتى 2011 وتراجعوا العام الحالي بسبب موقفهم من القضية الكردية، لكن الاتجاه التاريخي هو تسلل القيم البراغماتية والعلمانية لسياستهم.

وعزا تصاعد قاعدة الإسلاميين الانتخابية لإنجازاتهم الاقتصادية كرفع إجمالي الناتج المحلي وتقديم خدمات الطب المجاني للفقراء وتقديم مساعدات مالية للفقراء والأرامل والمعوقين والتحسن في ضبط الفساد وعدالة توزيع الدخل.

وتحدث عبد الحي عن علاقات تركيا مع العالم العربي فقال إنها تزايدت بسبب تزايد العمالة التركية في دول الخليج وليبيا وخيبة الأمل التركية من الموقف الغربي من عضويتها في الاتحاد الأوروبي وبالذات ألمانيا وفرنسا وأزمة قبرص.

أما العلاقة مع إسرائيل فتشير النشرة الاقتصادية الصادرة في فبرير/شباط الماضي إلى ارتفاع النشاط التجاري عام 2014 بنسبة 11% وأن 13% من مبيعات السلاح الإسرائيلي ذهبت لتركيا عام 2013 رغم أن 86% من الأتراك لديهم نظرة سلبية لإسرائيل.

تقدموا وتأخرنا
من جهته، يرى أستاذ التاريخ بالجامعة الأردنية مهند مبيضين أن مطلب التحديث واللامركزية والحرية شكل لب الجهد الإصلاحي عربيا وتركيا وإيرانيا، وتساءل: كيف تطورت حركة الإصلاح وعبرت عن حالها في تركيا، ولماذا نجح الجار التركي بقطيعته مع الإسلام كنظام حكم، ولماذا تأخرنا نحن وبقي لدينا شعار "الإسلام هو الحل"؟

وقال مبيضين الذي أدار الأمسية الثقافية إن دعاة الإصلاح الأتراك عملوا في مكاتب الدولة وصقلوا في تجارب إدارية ودبلوماسية، وإن الانتصار لم يتحقق بالاقتباس من الغرب ولا بالتوفيق مع منجزاته بقدر تحقق الاستجابة لصوت الداخل الذي شكل عالم الإصلاح ومجاله.

المصدر : الجزيرة