يقول أحد التجار الدمشقيين إن النظام لم يعد يشعر بالحرج في الحصول على الأموال من أي مصدر كان، فالحرب أنهكت خزينة الدولة، والفساد استشرى في كافة مفاصلها، الأمر الذي سيؤدي لخسارة معظم التجار المتبقين داخل البلاد.

سلافة جبور-دمشق

على الرغم من الحرب الدائرة في سوريا فإن العشرات من التجار الدمشقيين لم يغادروا البلاد التي تعاني أوضاعا اقتصادية سيئة وصعوبة ومخاطر في العمل، وبات الكثير منهم يفكرون بإنهاء أعمالهم والسفر هربا من مداهمات المكتب السري التابع للجمارك السورية في الآونة الأخيرة.

وازدادت وتيرة المداهمات التي ينفذها المكتب السري بمرافقة دوريات أمنية تابعة لأفرع المخابرات السورية في معظم المناطق التجارية والأسواق كالحميدية، والحريقة، والشعلان والقصاع وغيرها تحت ذريعة البحث عن البضائع المهربة والدولارات المحظور التعامل بها.

ويؤكد معظم التجار الذين طالتهم يد المداهمات وأدت إلى خسارتهم مئات آلاف الليرات أن الهدف من الحملة "الحصول على إتاوات بطرق غير شرعية" كما يذكر أبو رائد، صاحب أحد محال استيراد الثياب في سوق الصوف بمنطقة الحريقة.

وقال أبو رائد للجزيرة نت "فوجئت منذ حوالي عشرة أيام بقدوم سبعة عناصر من الجمارك مع عنصرين أمنيين لمحلي، ولدى سؤالهم لي عن أوراق استيراد البضائع الموجودة لدي أبرزت كافة الوثائق المطلوبة فأنا أستورد كل ما أتاجر به من الصين، إلا أنهم اتهموني بتزوير الأوراق وهددوا بتنظيم ضبط بقيمة عشرة ملايين ليرة (حوالي 33 ألف دولار)".

وأضاف أنه عرض على العناصر رشوة بقيمة مليون ليرة (حوالي 4.5 آلاف دولار) إلا أن القضية لم تنته إلا بعد دفع ضعف ذلك المبلغ، حيث اضطر أبو رائد للتوجه إلى المصرف لسحب المبلغ المطلوب والعودة لتسليمه في اليوم نفسه، مما أدى لإتلاف الضبط المزعوم على الفور.

سوق الشعلان في دمشق حيث كثرت مداهمات المكتب السري التابع للجمارك للحصول على إتاوات من التجار (الجزيرة)

ولا تختلف حكاية التاجر شريف كثيرا، فبعد حضور عدد من عناصر المكتب السري لمستودع الأحذية الخاص به والكائن في حي مساكن برزة شرق المدينة وتفتيشه رأسا على عقب بحثا عن "دولارات أميركية مخالفة" اضطر التاجر لدفع مليون ليرة لتسوية الأمر.

وأكد شريف للجزيرة نت عزمه السفر بأسرع ما يمكن خارج البلاد، وقال "رغم كل الصعوبات الاقتصادية وتلك المتعلقة بالعمل حاولت خلال السنوات الماضية الاستمرار بعملي معتقدا أنني أساهم في إنعاش الاقتصاد الوطني، لكنني اليوم بت متأكدا أننا نعيش بين مجموعة من اللصوص، والسفر الآن هو الخيار الأكثر أمانا".

بدوره، أكد أبو صلاح -وهو أحد التجار المقربين من غرفة تجارة دمشق- عجز الغرفة عن وضع حد لمداهمات الجمارك والأفرع الأمنية، وأرجع ذلك إلى "الفساد المستشري في إدارة الجمارك، إضافة إلى غياب أي سلطة للقانون في سوريا اليوم بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب".

وقال أبو صلاح للجزيرة نت إن غرفة تجارة دمشق اجتمعت نهاية الشهر الماضي مع الإدارة العامة للجمارك لمناقشة واقع تلك المداهمات و"العمل على الحد منها، وحاول رئيس الغرفة غسان القلاع بالتعاون مع بعض الأعضاء توضيح آلية عمل التجار والتأكيد على أنهم ليسوا مهربين أو مخالفين وإنما هم خيرة التجار الذين آثروا البقاء في البلاد والنهوض باقتصادها، لكن يبدو أن تلك المحاولات ذهبت أدراج الريح فالمداهمات مستمرة والتجار بدؤوا بالتململ والتفكير بمغادرة البلاد".

وخلص التاجر الدمشقي إلى القول "لم يعد النظام يشعر بالحرج في الحصول على الأموال من أي مصدر كان، فالحرب أنهكت خزينة الدولة، والفساد استشرى في كافة قطاعاتها، إلا أن على الحكومة التنبه لخطر إطلاق يد المكتب السري بهذا الشكل، الأمر الذي سيؤدي لخسارة معظم التجار المتبقين داخل البلاد الذين ما زال لهم دور وإن كان جزئيا بصمود الاقتصاد السوري حتى اليوم".

المصدر : الجزيرة