أعداد كبيرة من أهالي الريف الغربي لمحافظة الحسكة السورية يعودون لقراهم شبه المدمرة والمفخخة بالألغام بعد المعارك التي حسمتها وحدات حماية الشعب الكردية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ورغم توقف المعارك إلا أن العشرات يدفعون حياتهم ضحايا لهذه الألغام.

أيمن الحسن-الحسكة

حُرم سكان ريف محافظة الحسكة الغربي بشمال شرقي سوريا على مدار الأشهر الماضية من العودة لقراهم، بسبب المعارك بين تنظيم الدولة الإسلامية ووحدات حماية الشعب الكردية.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها لصالح الأخيرة عاد جزء كبير من الأهالي لقراهم شبه المدمرة، ليكتشفوا أن الموت الذي هربوا منه يعيش بمنازلهم وداخل أزقة قراهم وأراضيهم الزراعية ويتمثل بالألغام التي زرعها طرفا الصراع.

ويقول محمود من قرية الحوية بالحسكة السورية "أمي مسنة وتدعى منيفة السلامة، فارقت الحياة بسبب انفجار جسم غريب من مخلفات الحرب أثناء نزوحنا عن قريتنا".

وأضاف للجزيرة نت "لم أتبين الجسم الغريب، فقد وجده أخي وحاول تحريكه، ثم رفعه بيده وهزه فانفجر وأصبنا جميعنا مع أبي وبترت يد أخي ورجله".

ويروي عبد الله العبد الله -عضو اتحاد شباب الحسكة بمنطقة جبل عبد العزيز- كيف أصيب الطفل أمير فواز الحمود (14 عاما) بمحيط قرية نوفلية الحمدو أثناء رعيه الأغنام عند عبثه بجسم غريب، فقد أدت الإصابة لبتر أصابع يده وقدمه.

وقال إن "حوادث كثيرة تحصل بسبب الألغام والمقذوفات العسكرية قتلت العشرات في منطقتنا، منهم ثلاثة مدنيين من عائلة واحدة بينهم طفلان.

وحسب العبد الله، فإن الشاب علي إبراهيم العلي من قرية الشبلية قتل بانفجار لغم أرضي بدراجته على طريق فرعي.

في السياق نفسه تحدث أحمد -سائق سيارة- في الحسكة عن صاحب سيارة لبيع الخضار قتل وجرح شخصان بانفجار لغم بينما كان متوجها بسيارته من مدينة رأس العين لبلدة سلوك بريف الرقة الشمالي.

ولفت أحمد إلى أنه بات يستشعر الخطر أثناء قيادته سيارته في مناطق شهدت معارك.

هناك أنفاق ملغمة تخرج منها روائح كريهة بسبب انفجار ألغام بأشخاص أو حيوانات داخلها (الجزيرة)

أنفاق وخنادق
وتحدث عدد من سكان قرية شيخ رجوم للجزيرة نت عن تحول قريتهم لثكنة عسكرية أثناء المعارك، حيث حفرت أنفاق وخنادق غطيت بألواح الصفيح وأحيطت بحقول ألغام مما جعل الناس غير قادرين على العودة لمنازلهم حتى بعد أشهر من انتهاء المعارك.

ويقول أبو أحمد -أحد السكان- للجزيرة نت "مللنا العيش في العراء في خيم صنعناها من أكياس الخيش التي كنا نستخدمها لحفظ القمح والشعير والقطن، فقررنا العودة إلى بيوتنا، التي يحيطها بها الرعب والموت من كل جانب".

وتابع "بعض الأنفاق تخرج منها روائح كريهة، مما يعني وجود جثث فيها، وهي متصلة بعضها ببعض، وتكثر فيها الألغام والأجسام الغريبة التي تنفجر بين حين وآخر عند لمسها من إنسان أو حيوان".

وأشار إلى أنه "في بداية يوليو/تموز الماضي انتشرت أغنام أحد الرعاة في أحد الوديان القريبة من القرية، فانفجرت الألغام بالقطيع، مما أدى لنفوق 70 رأسا، فالمنطقة باتت شديدة الخطورة".

غياب الجهة المتخصصة، وانشغال الفصائل المتناحرة في حربها، دفع السكان المحليين إلى ابتكار طرق للكشف عن الألغام وتدميرها، حيث بادر أهالي قرى طريق رأس العين-العالية لحل المعضلة بالاعتماد على أنفسهم، فباتوا يضعون إشارات لتنبيه المارة لوجود خطر، مثل نصب أكوام حجارة قربها أو بمحيطها.

وفي الجزء المقابل لقرية قبر عامر من الطريق يمكن معرفة مكان وجود اللغم، من أكوام الحجارة حوله فيتجنبه سائقو السيارات.

عبوة ناسفة في أرض زراعية بالحسكة يخشى من انفجارها (الجزيرة)

انعدام الإمكانيات
وفي المنطقة نفسها التقينا فتى دون السادسة عشرة من عمره قرب منطقة كوع شلاح، ولدى سؤاله عما إذا كانت هناك ألغام بقريته، قال إن "الأهالي في قرى المقسومة والعلوش وعبيد الحربي يعملون على تفكيك الألغام بطرق بدائية.

وأشار إلى أنهم صنعوا ما يشبه كاسحة ألغام هي عبارة عن دولاب جرار زراعي قديم يربط بحبل قوي وطويل، توضع فوقه أكياس التراب ويمرر فوق المناطق التي ترصد فيها الألغام الأرضية لتنفجر".

وتحدث الفتى عن احتراق حصاد القمح الذي زرعه بمحيط قرية "رسم الرهجة" في انفجار لغم، مما جعل أصحاب الحصادات يشترطون على الفلاحين تفتيش الحقل بشكل كامل قبل بدء الحصاد خشية على حياتهم، وغالبا تنتهي عمليات التفتيش بالعثور على ألغام وعبوات ومقذوفات.

ويقول محمد الشرابي من بلدة تل تمر بالحسكة "قريبي طفل لم يتجاوز 15 عاما ويعمل بتفكيك العبوات الناسفة بمنطقة الخابور لصالح وحدات حماية الشعب والفصائل التابعة لها مقابل 5000 ليرة سورية لكل لغم، "ولا أدري كيف يفعلها لكنه ينجو ولا يستخدم أي دروع أو إجراءات وقاية".

وأضاف أن "قرية العامرية (6 كلم جنوبي مدينة رأس العين) ما زالت خالية من سكانها بسبب عجز خبراء المتفجرات بوحدات حماية الشعب عن تفكيك عبوات ناسفة وألغام زرعها تنظيم الدولة بثلاثة بيوت.

المصدر : الجزيرة