أصبح قدر أهالي محافظة الأنبار الفارين من ويلات الحرب والقتال أن تصبح مآسيهم معلقة على جسر بزيبز الذي يفصل المحافظة عن بغداد، وبات ذلك المعبر شاهدا على محنة المئات بعد أن قررت الحكومة مجددا إغلاقه في وجه النازحين.

أحمد الأنباري-بغداد

لمدة خمسة أيام واجهت  نازحة من محافظة الأنبار غربي بغداد صعوبات بالغة جدا في توفير الحليب لطفلتها الرضيعة بعدما تقطعت بها السبل ووصلت إلى جسر بزيبز بين محافظتي بغداد والأنبار، وزادت معاناتها في ظل تدهور الوضع الصحي لطفلها الآخر، وانقطاع أخبار زوجها منذ عشرة أيام في رحلته نحو بغداد.

لم يكن الهروب من الحرب الدائرة في الأنبار سهلا، كما لم يكن البقاء على تخوم بغداد أسهل، لذا لا فرصة أمام الهاربين من الصواريخ والنار سوى البقاء على الجسر الذي لن يكون سوى شاهد على مأساة أطفال ونساء وشيوخ لا حول ولا قوة لهم.

تقول النازحة ريم أحمد (اسم مستعار) في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت وهي تتواجد على جسر بزيبز إن الرحلة الشاقة من الأنبار استغرقت عشرة أيام للوصول إلى الجسر، لكنها توقفت هناك بعد أن كان الأمل معقودا على عبوره.

وتضيف أن "المساعدات ضعيفة جدا، خاصة من المؤسسات الحكومية، فما يصلنا هو من متبرعين وبعض الحملات التي تساعدنا، لكنها لم تكفنا جميعا فنحن بالمئات، وهناك مرضى من الأطفال وكبار السن، جميعهم غير قادرين على تحمل الوضع الصعب الذي يعيشونه".

نازحو الأنبار تحت سقوف في منطقة جسر بزيبز للاحتماء من حرارة الصيف اللاهبة (الجزيرة)

جسر مغلق
وعادت السلطات الحكومية العراقية لتعلق معبر جسر بزيبز من جديد أمام النازحين من الأنبار بعدما أغلقته منتصف أبريل/نيسان الماضي بحجة دخول عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية مع العوائل، وأدخلت أعدادا قليلة جدا، في وقت شهد الجسر وفيات وحالات مرض خطيرة.

ويعزو عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد سعد المطلبي إغلاق جسر بزيبز أمام النازحين إلى الحذر من استغلال عناصر تنظيم الدولة موجة النزوح والدخول إلى العاصمة بحجة النزوح، للوصول إلى الأماكن السكنية في بغداد وتنفيذ عملياتهم الإرهابية.

وقال المطلبي للجزيرة نت إن "هناك إجراءات معينة بين الحكومة المحلية في مجلس محافظة بغداد والقوات الأمنية التنفيذية حول دخول النازحين، لكن هذا لا يعني إننا نمنعهم من الدخول مثلما تصور بعض وسائل الإعلام التي تريد خلق حالة من الفوضى أو إنهاء الثقة بين المواطنين والحكومة".

واتخذت السلطات في أوقات سابقة إجراء يتمثل بضرورة أن يكون هناك كفيل من سكان بغداد مقابل دخول أي نازح، وهو الشرط الذي لاقى رفضا كبيرا من الأوساط الشعبية والسياسية حتى اضطر مجلس النواب العراقي لإدراجه في جدول أعمال إحدى جلساته والتصويت عليه بالرفض.

نازحون من الأنبار بالقرب من جسر بزيبز بعد رحلة طويلة بحثا عن ملاذ من ويلات القتال (الجزيرة)

 حسابات سياسية
وتعبر عضوة لجنة المهجرين النيابية لقاء وردي عن أسفها للإجراءات التي تتبعها بغداد تجاه نازحي الأنبار الذين يجلسون في العراء على حدودها، داعية الحكومة الاتحادية لحمايتهم وتوفير الدعم لهم، باعتبار ذلك جزءا من المسؤوليات التي تقع على عاتقها تجاه مواطني بلادها.

وتقول لقاء وردي للجزيرة نت إن هناك تقصيرا حكوميا كبيرا تجاه نازحي الأنبار الذين بدأ نزوحهم منذ بداية عام 2014 مع بدء العمليات العسكرية في صحراء المحافظة وبعد ذلك في مناطق من الرمادي والفلوجة والكرمة.

وتعزو البرلمانية العراقية رفض الحكومة دخول نازحي الأنبار إلى بغداد لأسباب سياسية أكثر من كونها أمنية دون أن تخوض في التفاصيل.

وتشير لقاء وردي إلى أن أكبر موجة نزوح لأبناء الرمادي كبرى مدن الأنبار كانت في منتصف مايو/أيار الماضي بعد استيلاء تنظيم الدولة على كامل المدينة ومناطق قريبة منها، وعندما وصلت العوائل إلى جسر بزيبز أصبح محطتها الأخيرة.

ومن المتوقع حصول موجة نزوح جديدة في ظل الحرارة المرتفعة جدا بسبب المعارك الحالية في محيط الرمادي وسعي الحكومة لاستعادتها من قبضة تنظيم الدولة.

وتذهب إلى جسر بزيبز بين الحين والآخر حملات مدنية عراقية تحمل معها مساعدات طبية وغذائية جمعت من تبرعات مواطنين وليست مؤسسات حكومية أو منظمات دينية أو سياسية.

المصدر : الجزيرة