نعت الأوسط الفنية والثقافية العراقية قبل أيام رائد الهندسة المعمارية محمد مكية الذي فارق الحياة في لندن ثم ووري الثرى هناك بعيدا عن بغداد التي رأى فيها النور وترك بصماته السحرية على العديد من معالمها العمرانية.

علاء يوسف-بغداد

رحل رائد الهندسة المعمارية في بلاد الرافدين محمد مكية أو كما يسميه العراقيون عاشق بغداد عن عمر فاق المئة عام في العاصمة البريطانية لندن تاركا خلفه إرثا كبيرا ما زال البغداديون يتغنون به.

ورغم غيابه عن بغداد لسنوات طويلة عكست مظاهر نعيه -خاصة ما انتشر من صور للراحل في بعض مناطق بغداد وتحديدا في شارع المتنبي حيث يلتقي المثقفون والأدباء- المكانة الكبيرة التي يحظى بها الراحل عند العراقيين.

رأى مكية النور في بغداد عام 1914، وسافر إلى بريطانيا عام 1935 في بعثة دراسية حيث نال شهادة البكالوريوس من جامعة ليفربول، وشهادة الدكتوراه من جامعة كامبردج وعاد إلى بغداد عام 1946 مع مجموعة الطلاب المبتعثين للدراسة في أوروبا ليؤسسوا قسم الهندسة المعمارية بجامعة بغداد عام 1959.

كما أسس مع عدد من الفنانين -أبرزهم جواد سليم ورفعت الجادرجي- جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1955 وأصبح رئيسها عام 1967، ثم غادر إلى لندن ليستقر بها حتى وفاته.

ومباشرة بعد رحيله نشرت صحف عراقية وصية مكية لأبناء بلده خصوصا أهله جاء فيها أن "بغداد جوهرة من جواهر العصر، ربما تمرض.. تتعب.. تئن.. لكنها لا تشيخ"، لكنه تأسف لأن "بغداد تتعرض لتشويه ذاتها وصفاتها منذ عقود.. من المؤسف أن العمارة لم تكن دائما تنتمي إلى تلك العلاقة الأصيلة مع النهر والضفة والروح الساكنة بينهما، أوصيكم ببغداد".

محمد مكية فارق الحياة بلندن بعيدا عن بغداد التي عشقها لآخر لحظة من حياته (الجزيرة)

غصة
وقال الباحث في الشؤون المعمارية فائز الشرع إن "هناك غصة في الوسطين المعماري والثقافي برحيل مكية، إذ لم يقدم للعراق أي منجز بعد عام 2003 بسبب الأوضاع العامة للبلاد، وإهمال المؤسسات الثقافية والعمرانية والتعليمية لهذه القامة"، مبينا أن "مكية شعر بالأسى لما تعرضت له بغداد من تشويه لمعالمها بسبب الاحتلال وإهمال الدولة".

وأضاف في حديث للجزيرة نت أنه كان من المفترض أن تستثمر الدولة طاقته وخبرته وتؤسس مدرسة عمرانية باسمه من أجل صناعة جيل يهتم بالعمارة الإسلامية والمزج بين التراث والحداثة.

وقال الباحث والأكاديمي معتز عناد غزوان -وله كتاب عن مكية- إن "العراق فقد أحد كبار فناني الحداثة وأحد رواد الفن والعمارة الذي توفي ثم ووري الثرى في لندن، حيث صمم أكثر من مئة مشروع وكان راغبا بتنفيذها في مسقط رأسه".

وعدد غزوان في حديث للجزيرة نت إنجازات الراحل، ومنها مبنى كلية التربية ابن رشد في باب معظم وبلدية الحلة ومصرف الرافدين بالبصرة وبوابة مدينة عيسى في البحرين وجامع سلطان قابوس بعُمان وجامع الصديق في قطر وجامع الدولة الكبير بالكويت وجامع في تكساس، وتوقف عند حلم الراحل المتمثل في إقامة مركز مهتم بالتراث والعمارة وتطوير بغداد القديمة مثل شارع الرشيد والحيدر خانة والكاظمية والأعظمية.

غلاف كتاب ألفه معتز عناد غزوان عن الأبعاد لمنجز محمد مكية (الجزيرة)

متحف مكية
ودعا غزوان الدولة العراقية لاسترداد الثروة الفنية التي تركها مكية وإقامة متحف خاص يضم جميع مشاريعه في تطوير بغداد، ومنحه وسام الرافدين وتسمية أحد شوارع بغداد باسمه مع إقامة مكتبة تحمل اسمه، كما طالب سلطات بلاد بضرورة جلب جثمانه إلى بغداد ودفنه فيها، وإقامة تشييع مهيب له.

من جانبه، قال الصحفي حيدر النعيمي للجزيرة نت "لا أعتقد أن معماريا عراقيا بمثل عشقه لبغداد التي تعيش مع كريات دمه وكأنه شاعر عظيم ينسج كلماته بالهندسة المعمارية التي شرب أصولها في بريطانيا".

وللتدليل على مكانة الراحل في قلوب البغداديين قال إنه يكفي أن تمر من سوق الغزل الأشهر عربيا وعالميا في بيع الحيوانات لتجد جامع الخلفاء المذهل الذي يحمل بصماته ولمساته السحرية.

المصدر : الجزيرة