حديثها الباكي، مع المستشارة أنجيلا ميركل، جعل من الطفلة الفلسطينية ريم سحويل مثار جدل واسع داخليا وخارجيا، ورمزا لقضية اللاجئين إلى ألمانيا، ما أجبر على مراجعة قوانين الهجرة لديها، مراعاة للحالات الخاصة من تفوق أطفال اللاجئين بدراستهم.

خالد شمت-روستوك-ألمانيا


بين عشية وضحاها، تحولت التلميذة الفلسطينية ريم سحويل إلى رمز لمشكلات اللاجئين في ألمانيا، بعد تعبيرها بكلمات باكية لمستشارة البلاد أنجيلا ميركل عن معاناتها من غموض مستقبلها، بسبب مخاوفها الدائمة من سيف الترحيل القسري المصلت عليها وأسرتها اللاجئة بالبلاد منذ أربع سنوات.

وأحدثت دموع ريم في لقائها مع ميركل الأربعاء الماضي بمدينة روستوك بصحبة مجموعة من زملائها التلاميذ الألمان، موجة من التعاطف الواسع بين ملايين شاهدوها عبر قنوات التلفزة بألمانيا، وأثارت جدلا سياسيا وإعلاميا صاخبا وغير مسبوق، ودفعت شخصيات سياسية ألمانية بارزة لرفع صوتها مطالبة بإحداث تغيير جذري للسياسة الحكومية بخصوص اللجوء والهجرة.

وتحدثت الفلسطينية ذات الـ14 عاما بلغة ألمانية رفيعة خالية من الأخطاء، مما جعل ميركل تمتدح قدرتها على اتقانها رغم مرور أربع سنوات فقط على وجودها هناك، وما لبث توتر ريم وتهدج صوتها أن استحال إلى إجهاش بالبكاء بعد رد "سيدة ألمانيا الحديدية" عليها بكلمات خالية من العاطفة، عن ضرورة رحيل بعض من جاؤوا إلى ألمانيا، وعدم مقدرة بلادها عن استقبال الآلاف من المخيمات الفلسطينية بلبنان، ومن الأفارقة.

ريم سحويل (يمين) وأسرتها يقيمون لاجئين بألمانيا منذ أربع سنوات قادمين من لبنان (الجزيرة)

معاناة شديدة
ولم يعرف الألمان -الذين تضامنوا مع ريم وصبوا جام غضبهم على ما اعتبروه برودا وفشلا لمستشارتهم بمواساتها- أن خلف تلك الطفلة اللاجئة من المعاناة الإنسانية الشديدة ظروفا صحية بالغة التعقيد لو عرفوا بها لتضاعف حجم تعاطفهم مع صاحبتها عدة مرات.

وقال عاطف سحويل (والد ريم) للجزيرة نت إنه جاء بصحبة زوجته وأطفاله الثلاثة من لبنان إلى ألمانيا عام 2010 من أجل علاج ريم من شلل بنسبة 30% أصيبت به بسبب نقص في الأكسجين أثناء ولادتها بالشهر السابع لحمل أمها، ومن جروح وكسور بالغة أصيبت بها عام 2006 بحادث سيارة، أجريت لها بعد الحادث عدة عمليات بساقيها و27 جراحة برأسها الذي مازال به ثقب كبير لم يلتئم.

وأوضح أن فشله هناك -بسبب وضعهم الصعب كلاجئين بمخيم البقاع اللبناني- في الحصول على علاج لابنته دفعه للاقتراض وجمع التبرعات لإحضارها للعلاج بألمانيا، التي أجريت لها فيها ست عمليات جراحية، وتنتظر عدة عمليات أخرى، وعلاجا مستمرا لدى جراحي عظام وأعصاب وأوعية دموية ومعالجين طبيعيين ونفسيين.

وتقيم ريم ووالداها وشقيقاها الصغيران أحمد ورنيم بمدينة روستوك شرقي ألمانيا في شقة انتقلوا إليها عام 2013 من مخيم لللاجئين عاشوا فيه مع 280 لاجئا آخرين، وتحصل هذه الأسرة على إقامة تتطلب تجديدا مستمرا.

وقالت ريم للجزيرة نت إن تهديدات السلطات الألمانية مؤخرا بترحيلها مع أسرتها للبنان مثل معاناة نفسية شديدة تضاف لمعاناتها من وضعها الصحي، وأوضحت أنها ذهبت للمشاركة في لقاء المستشارة ميركل مع التلاميذ والذي دار حول سياسة اللجوء بألمانيا، وليس في ذهنها أن تتحدث عن وضعها وأسرتها، وأشارت إلى أن تشجيع مذيع الحفل لها جعلها تقرر الحديث لميركل عن معاناتها من غموض مستقبلها بسبب خوفها من الترحيل القسري.

ريم سحويل تبكي أثناء محادثتها مع المستشارة الألمانية ميركل (ناشطون)

تعديل قانون الهجرة
وتمنت الفتاة الفلسطينية -التي حصلت هذا العام على الترتيب الأول باللغة الألمانية متقدمة على أقرانها التلاميذ الألمان بفصلها- أن يؤدي الجدل الواسع الذي أثاره حديثها مع المستشارة إلى حصولها وأسرتها على إقامة مناسبة تمكنها من مواصلة علاجها وتعليمها في ألمانيا.

وتمني والد ريم أن يؤدي الجدل الذي تسبب بإجراء وسائل إعلامية من 17 دولة مقابلات مع ابنته حول حوارها مع المستشارة الألمانية، لاستقرار وضع إقامتهم، وتسليط الضوء على حالات اللاجئين المماثلة في ألمانيا خاصة اللاجئين الفلسطينيين.

ورحب عاطف سحويل بقرار إيقاف إجراءات ترحيل أسرته والحالات المماثلة، وتمنى أن يتطور هذا القرار لمنحهم إقامة مستقرة بألمانيا استنادا إلى قانون جديد يمنع ترحيل اللاجئين القصر الذين يدرسون بألمانيا منذ أربع سنوات وحققوا نجاحا في دراستهم، ويقضي القانون الجديد الذي سيطبق أوائل أغسطس/ آب القادم أيضا بمنع ترحيل والدي هؤلاء التلاميذ باعتبارهم مشرفين على تربيتهم.

المصدر : الجزيرة