مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب في سوريا، حرم آلاف الأطفال من أبسط حقوقهم في اللعب والمرح، وهو ما دعا مؤسسة "توادّوا" لافتتاح مدينة ملاهٍ تحت الأرض -ولأول مرة- في غوطة دمشق المحاصرة، ليعيش الأطفال حياة شبه طبيعية.

سلافة جبور-دمشق

لا يعرف الكثير من أطفال غوطة دمشق الشرقية -ومنهم تيماء ذات الأربعة أعوام- معنى اللعب والمرح، فعمرهم من عمر الثورة السورية، وحصار النظام السوري لهم منذ حوالي عامين وقصفه شبه اليومي حرمهم من أبسط حقوقهم.

غير أن افتتاح مدينة ملاهٍ تحت الأرض -ولأول مرة- في الغوطة المحاصرة مع حلول عيد الفطر، حقق حلم تيماء وأصدقائها بأن يعيشوا يوماً من الحياة الطبيعية يشبه حياة أقرانهم في المناطق الأكثر أمناً من سوريا.

وتمتد مدينة الملاهي التي تحمل اسم "أرض الطفولة" على مساحة ألف متر مربع، وذلك ضمن قبوين تحت الأرض يصل بينهما نفق، وذلك لحماية الأطفال من القصف المستمر الذي يحصد أرواح العشرات يومياً.

الطفلة تيماء (يمين) التي ترى الألعاب والملاهي للمرة الأولى في حياتها (الجزيرة نت)

وقال مدير مؤسسة "توادّوا" القائمة على المشروع -وهو صاحب الفكرة- إن خلق مساحة ترفيه ونشاط آمنة للطفل والعائلة وخاصة مع انخفاض دخل الأسر ومستواها المعيشي، كان السبب الرئيسي لبناء مدينة الملاهي المذكورة.

وتابع أبو عمار الحاج علي في حديثه للجزيرة نت أن "معظم العائلات غير قادرة على تلبية متطلبات أبنائها الأساسية فكيف بشراء الألعاب والترفيه، كما تعاني المدارس من نقص في الجوانب الحركية للطفل والاهتمام بالعلاقة بين الجانبين النفسي والحركي ونشاطات تفريغ طاقات الطفل خلال الحرب رغم وجود عشرات المتطوعين لهذا العمل، إلا أن عدم توفر مكان مناسب لتلك النشاطات جعلها مقتصرة على التلوين والرسم، وهو ما دفعنا -بعد دراسة متأنية وواقعية- إلى إنشاء مدينة الملاهي مستعينين بمختصين في هذا المجال".

وأشار الحاج علي إلى اعتماد المشروع على دعم ذاتي حيث يساهم السعر الرمزي لبطاقات الدخول في تغطية نفقات العاملين وخلق فرص عمل جديدة، كما ترفض مؤسسة "توادوا" الحصول على أي دعم يربطها بمشاريع وأجندات قد يكون لها تأثير سلبي على الثورة السورية.

مدخل النفق الواصل بين القبوين في مدينة الملاهي (الجزيرة نت)

بدوره تحدث ياسين البوشي -وهو المهندس المصمم لمدينة الألعاب- عن العوائق التي اعترضت المشروع، وعلى رأسها تصميم وتنفيذ ونقل الألعاب وتصميم الفراغات والممرات، إضافة إلى حفر نفق بطول 25م بين القبوين للحصول على المساحة المطلوبة وضمان التنقل الآمن بعيداً عن القصف.

وأضاف البوشي -وهو طالب في كلية الهندسة المعمارية انقطع عن دراسته بسبب الحرب- شارحاً كيفية تنفيذ المشروع "قمنا بتصميم وتنفيذ العديد من الألعاب وخاصة ألعاب القوى والحركة والمتاهات، إضافة إلى مكان مخصص لعرض السينما والمسرح والذي اكتسب أهمية كبرى لعدم معرفة معظم الأطفال بهذه النشاطات وحرمانهم من مشاهدة التلفاز بسبب انقطاع الكهرباء منذ أكثر من عامين.. وحاولنا تصميم المدينة بشكل مشابه للحدائق الخارجية لخلق شعور مشابه لها، كما راعينا عامل أمان الأطفال في الحركة والتنقل بين الفراغات".

أثناء حضور عرض سينمائي في مدينة الملاهي (الجزيرة نت)

ومن أبرز الصعوبات التي واجهت العمل -بحسب البوشي- نقل الألعاب الكبيرة إلى داخل القبو حيث يزيد ارتفاعها عن ارتفاع السقف بنحو متر، وكان الحل يكمن في حفر الأرض لتوفير مساحة إضافية لها، كما أن عدم توافر المواد المطلوبة في الغوطة -وأهمها الإسمنت- دفع القائمين على المشروع إلى الاستعانة بمواد أخرى كالطين والقش لإكساء الجدران ومدخل النفق، ومواد معدنية من مكبات المعادن بعد إعادة تدويرها لتصبح قابلة للاستخدام.

ولاقى المشروع نجاحاً كبيراً حيث زاره مئات الأطفال خلال أيام العيد، ومنهم حلا التي فقدت ذراعها بسبب قذيفة وتعاني من آثار نفسية شديدة للغاية بسبب أصوات القصف وغارات الطيران. وقالت إنها شعرت بالحرية في مدينة الألعاب حيث تمكنت من اللعب بمرافقة والدتها دون أي شعور بالخوف أو الحرج من الأطفال الآخرين.

أما رامي (9 أعوام) فعبر للجزيرة نت عن سعادته بألعاب القوة والتسلق، إضافة إلى استمتاعه بمشاهدة السينما، وهي المرة الأولى التي يرى فيها شاشة كبيرة بهذا الحجم، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة