"العيد لمّا نرجع لبلدنا".. هذا ما تقوله الطفلة السمراء الواقفة بجانب والدها بعفوية بليغة، ليردد والدها خلفها كما لو أنه صدى صوتها "لن نعيّد إلا في سوريا".. تختصر هذه الجملة البسيطة أوضاع سكان مخيم رجب للاجئين السوريين في شرق لبنان.

حسن الحاف-البقاع

لا عيد في مخيم رجب للاجئين السوريين الواقع في بلدة مرج البقاعية شرقي لبنان.. لا شيء يوحي بأن اليوم الأول من عيد الفطر قد حلّ في ربوع هذا المخيم، فلا شيء يشي بأن الحياة ممكنة في مخيم لا تتوفر فيه أدنى شروط الحياة.

فالمخيم الأكبر في منطقة البقاع حسبما يقول أحد المسؤولين عنه، يضم نحو 176 خيمة تقيم فيها 250 عائلة، أو ما يوازي 1500 شخص.

سحنات الأطفال التي كوتها شمس يوليو/تموز الحارقة صارت تشبه بعضها بعضاً.. اكتست كلها باللون البني المحروق بفعل اللعب المتواصل في المساحات الفارغة المتاحة أمام الخيم، والتي تنتشر فيها بعض السيارات القديمة المعطلة. ولولا الأرجوحة الخشبية المثبتة عند إحدى زوايا المخيم والتي أنشئت يدوياً وبجهود الأهالي، لما بدا للعيد أثر في هذا المكان المنكوب منذ أكثر من ثلاثة أعوام، كما تصفه غالبية قاطنيه.

في المخيم حوالي 700 طفل، بينهم أربعة أو خمسة أطفال مسجلون في إحدى المدارس الرسمية القريبة، بينما لا يتلقى الباقون أي شكل من أشكال التعليم لكون المدارس الرسمية القريبة ليس بها أماكن شاغرة، كما أن المدرسة الأقرب إليهم تعرضت بعض أبنيتها للانهيار في الشتاء بفعل الثلوج، ومذّاك لم يتم ترميمها.

هؤلاء توزعوا اليوم في أرجاء المخيم، يركضون خلف بعضهم ويصرخون مستعجلين دورهم في ركوب الأرجوحة.. بعضهم يحمل مسدسات بلاستيكية، يفتعلون بها صوت إطلاق النار، في محاكاة محزنة لحروب الكبار.

صورة المخيم من الخارج دالة على أوضاع اللاجئين بداخله (الجزيرة نت)

يوضح مسؤول المخيم -فضل عدم كشف اسمه- للجزيرة نت، أن أكثر من نصف المقيمين في المخيم لم يعودوا يتلقون أي مساعدة من منظمات الأمم المتحدة المعنية منذ حوالي الشهر، وأبلغوا بأن الـ13.5 دولاراً التي كان يتلقاها كل فرد مقيم في المخيم شهرياً ستتوقف بفعل شح التمويل، وذلك بعدما خفضت من 45 دولاراً في السابق.

ويضيف المسؤول أن ما زاد الطين بلة أن أوراق إقامات جميع سكان المخيم انتهت صلاحيتها، الأمر الذي يحول دون تنقلهم خارجه بحرية مخافة الاعتقال أو الترحيل. لذا وفي سبيل تأمين قوتهم اليومي، صار من لا يتجاوز السنوات العشر من العمر أو أصغر قليلاً "رجّال البيت"، يغادر صباحاً جارّاً عربة صغيرة يجمع فيها القناني وألواح الألمنيوم والحديد من حاويات القمامة لإعادة بيعها.

ويخاطر بعض الرجال أيضاً بالخروج كلما ضاقت بهم سبل الحياة أكثر، فيجرّون عرباتهم الكبيرة في المنطقة باحثين عن رزقهم بين فضلات أرزاق الناس العاديين، مجرجرين معهم قلق الاعتقال.

أما غالبية المقيمين فيه فهم إما مهجرون من منطقة السيدة زينب في الشام، أو من ريف دمشق وإدلب ودرعا وحمص، وتوجد أيضاً بعض العائلات اللبنانية التي كانت تقيم وتعمل في سوريا طوال حياتها.

أطفال يحاولون بشتى الوسائل صناعة الفرح في مخيم رجب (الجزيرة نت)

تبدو أم عبدو -المهجرة من محافظة إدلب- ناقمة على كل شيء تقريباً، فهي تلعن المنظمات الدولية وأخواتها اللبنانية، التي توقفت عن تقديم أي مساعدة لها رغم أنها مصابة بمرض السكري وتعاني من ارتفاع ضغط الدم.

وتقول أم عبدو -وهي أم لثمانية أولاد- إن "الوضع في المخيم مبكٍ، والمقيمين فيه لم يذوقوا طعم العيد مذ وطأته أقدامهم".

وتضيف قائلة بحرقة "قضينا شهر رمضان نفطر خبزاً حافاً، وأحياناً ندلل أنفسنا بتناول الخبز مع اللبن أو مع الشاي، فهل يجوز ذلك؟!".

وحتى أجهزة الدولة اللبنانية لا تسلم من نقمة أم عبدو، إذ "لا يتلقى المخيم أي مساعدة منها، كما يقوم الجيش كل ثلاثة أشهر بمداهمة الخِيَم ليلاً لأسباب أمنية".

والأشد صعوبة هو أن المقيمين في المخيم يدفعون من جيبهم الخاص إيجار الخِيَم لصاحب الأرض، لكون المخيم مشيدا فوق أرض خاصة، ويدفع الواحد منهم ما بين 530 و660 دولاراً سنوياً، وقد تصل القيمة إلى ألف دولار للخيمة الكبيرة. وقد بُلّغ أصحاب حوالي مئة خيمة بأنهم "إن لم يدفعوا الإيجار هذا الشهر سيتم ترحيلهم دون خيمهم".

المصدر : الجزيرة